جرائم العثمانيين في البلاد العربية ح1

د. ناصر الحفناوي - القاهرة

2021.07.29 - 09:19
Facebook Share
طباعة

  

مقدِّمة:
          ارتكب سلاطين الدولة العثمانيَّة العديد من الجرائم والمجازر على مدى تاريخها الذي امتدَّ 623 عاماً منذ تأسيسها على يد عثمان أرطغرل العام 1299م, حتى إسقاطها على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1922م، وتنوَّعت الجرائم بين الحرب واضطهاد الأقليَّات وغيرها,
ولم تَكُن قاصرة على سلاطين الدولة العثمانيَّة، بل امتدَّ إلى السُلْطَانَات، أصدر السلطان محمد الفاتح قانون "البغي" ليقتل به إخوته وينفى أباه، وابتدعت السلطانة صفيَّة زوجة السلطان مراد الثالث فكرة الأقفاص لإبعاد الطامعين في العرش من أبناء السلطان عن المشهد العام, والسلطان إبراهيم الأوَّل حُبس بـ«أقفاص صفيَّة» ٢٢ عاماً, وحكم ٨ سنوات فعمت الفوضى أركان الدولة، وتكرَّر الأمر مع السلطان مصطفى الأول, فأصيب بالجنون، وتورَّطت صفيَّة في قتل السلطانة الأم "نوربانو"، وقامت بتحريض ابنها السلطان محمد الثالث، على قتل إخوته التسعة عشر قبل أن يدفن والده، خوفًا من تمردهم عليه ومنافسته على العرش, و«كوسم سلطان» أشهر سلطانات الدولة العثمانيَّة التي حكمتها فعليَّا في عام ١٦١٧م، مارست نفوذها بصورة غير مسبوقة أو متبوعة، ووصلت إلى قِمَّة المجد والسلطة في الدولة العثمانيَّة في مشهد استثنائي، وهى أكثر سيِّدة احتكرت منصب «السلطانة الأم» خلال مدة سلطنة ابنيها «مراد الرابع، وإبراهيم الأول»، لفترة امتدت لربع قرن، وقادت تمرد الانكشارية ضد السلطان إبراهيم الرابع عام ١٦٤٨م, كما قررت «كوسم سلطان» إعدام ابنها بعد عزله بـ ١٠ أيام، بعد أن كانت سببا في حمايته من القتل على أيد أخيه السلطان مراد الرابع خوفا على السلالة العثمانية من الانقراض, نفَّذ سلاطين الدولة العثمانيَّة عمليَّات قتل بشعة ضد أبنائهم وإخوتهم خلال فترة صراعهم على الحكم، وأجبروا علماء السلطان على إصدار فتاوى تقنن إجرامهم, سجل آل عثمان قصصًا مرعبة في قتل بعضهم لاقتناص السلطنة، فالأب يقتل أبناءه والأخ يذبح أخيه والأم تتآمر على الجميع.
          الغريب في الأمر أنَّ إقدام سلاطين بني عثمان على قتل أبنائهم وإخوتهم كان أسبق تاريخيًّا من عهد محمد الفاتح، الذي تولى الحكم عام ١٤٥١م، حيث بدأت رغبتهم المتوحشة في سفك الدماء منذ عهد السلطان مراد الأول، ثالث سلاطين الدولة العثمانية، الذي تولََّى الحكم عام ١٣٥٩م، وأقدم على إعدام أصغر أولاده الأمير ساوجي ذي الأربعة عشر عامًا؛ وذلك بعد أن أغراه البعض بالتمرُّد والتحالف مع البيزنطيِّين.
          ذكر المؤرخون أنَّ السلطان مراد الأوَّل بلغت به الوحشيَّة إذ دخل على ابنه في السجن حاملًا زجاجة خل مركز، وأمر بسكبها في عيني ساوجي؛ فحولته حرقة الخل إلى شبه أعمى، وبعد أن تركه فترة يتعذب بألم عينيه أعدمه خنقًا.
          ويمتلئ تاريخ الدولة العثمانيَّة بجرائم قتل الأبناء والأشقاء؛ فالسلطان محمد الأول الذي تولى الحكم عام ١٤١٣م قتل إخوته الثلاثة (عيسى وموسى ومصطفى) في صراع على الحكم، امتَدَّ ١١ عامًا، وعُرف في التاريخ العثماني بـ"عهد الفترة"، كما تورَّط السلطان بايزيد الثاني بتحريض البابا إسكندر السادس على قتل شقيقه الأمير جم؛ ليتخلص من منافسته له على الحكم، كما أُعدَم عمَّه الأمير مصطفى للسبب نفسه, وقتل السلطان محمد الثالث، الذي تولَّى الحكم عام ١٥٩٥م، ثلاثة رضع وخمسة أطفال، ضمن ١٩ أخًا له، أمر بإعدامهم في اللحظات الأولى التي تلت تنصيبه، خوفًا على العرش, ولم يكتفِ محمد الثالث بتلك المذبحة لتأمين مُلكه؛ فأمر بعد فترة وجيزة بإعدام ابنه الأمير محمود، الذي عُرف بشجاعته العسكريَّة؛ وذلك خشية أن يهدِّد ملكه، حاول السلطان أحمد الأول، التخلُّص من هذه العادة المذمومة، وسنّ قانونًا ينظّم اعتلاء العرش وطرق وراثة السلطة لمنع الاقتتال بين الإخوة والآباء والأبناء، معلنا الثورة على قانون الفاتح، لكنّ نجله مراد الرابع طبّق القانون القديم على الفور بقتل شقيقه بايزيد، ثمّ سليمان، ثم قاسم, وأكَّدَت المصادر التاريخيَّة أنَّ عدد الأمراء العثمانيِّين الذين قُتلوا على أيدي آبائهم وأشقائهم وأبنائهم وصل إلى ١٢١، مقابل ٤٤ صدرا أعظم..
          وبانقلاب دموي على والده، تولى سليم الأول المعروف تاريخيًا بالغازي عرش السلطنة العثمانيَّة، بعد أن خلع والده السلطان بايزيد الثاني وقتل أخويه كركود وأحمد، بمساعدة الجنود الانكشاريين، الذين يرفعون شعار «نحن مع من يدفع أكثر»، واستغل سليم الغازي صراع الأمراء على العرش فأشعلوا ثورة جديدة في الأناضول ليضطر السلطان بايزيد الثاني توليه سليم قائدا عاما للجيش العثماني الذي تحرك للقضاء على أتباع الصفويين، فدخل سليم إسطنبول في أبريل من العام ١٥١٢م ليظن والده أنَّه جاء لاستلام منصبه الجديد، ولم يتوقع أن يعزله عن الحكم، ويلقى له برأس ولديه، وينصب نفسه سلطانا على البلاد قبل خروج الحملة, وحقَّق سليم انتصاره على الشاه إسماعيل الصفوي في معركة جالديران العام ١٥١٤م، وفى طريقه إلى العاصمة الصفوية؛ تبريز، ارتكب أبشع المذابح شرق الأناضول وصل ضحاياها إلى أربعين ألف شخص, تنوعت بين الحرق والشنق والذبح ودفنهم أحياء, وقرَّر في العام التالي تحويل مسار عملياته العسكريَّة من الجبهة الصفويَّة إلى السلطنة المملوكية في مصر والشام، ليمثل التحوُّل انقلاباً خطيراً في السياسات العثمانيَّة، لأنَّ المماليك ينتَمُون للسنَّة عكس الصفويِّين الشيعة الذين أُحَلَّ شيخ الإسلام في إسطنبول دمهم على اعتبار أنَّهم زنادقة, وبعد هذه المقدمة المختصرة لنهج العثمانيِّين في بناء دولتهم, ولعلَّ هذه الصورة عن الخلافة العثمانِيَّة في الداخل, أبلغ ما يتم عكسه عن النهج الذي تتبعه في ولاياتها وسيطرتها وتمددها في الخارج, خاصة في الدول العربيَّة, حيث عكس ذلك مسلسل الجرائم التي توالت في الدول العربيَّة واحدة تلو أخرى:
 

يتبع..

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3