جرائم العثمانيين في البلاد العربية ح3

د. ناصر الحفناوي - القاهرة

2021.07.29 - 09:22
Facebook Share
طباعة

 2. جرائم ابراهيم باشا:

          عندما تقدّمت قوات إبراهيم باشا، وسيطرت على معظم نجد لمدة 9 أشهر، ارتكبت خلالها جرائم بشعة في حق الأمراء والعلماء وقادة المجتمع وعامَّة الناس، ثم عاد إلى مصر مدمِّراً ما في طريقه كل ما قابله من قلاع وحصون، ناهباً المواشي والممتلكات ومخرِّباً للحقول,
وترك في الدرعية أحد قادته: حسين بك، الذي أخرج أهلها إلى مدينة "ثرمدا"، وحصرهم جميعاً في غرفة واسعة، ثم طلب من جميع أهل الدرعيَّة الحضور، ليكتب لهم خطابات للعيش في أي جهة يرغبون، فحضروا إليه من كان منهم في تلك الحجرة ومن كان هارباً، فلما اجتمعوا لديه قتلهم جميعاً، وأوطانهم الخيل، وأشعل فيهم النيران أو طعناً بالسيوف، وتقدرهم الإحصائيات بحدود 230 رجلاً, كما نهب أموالهم ومتاعهم ومواشيهم وقسماً من أبنائهم، وفرض ضرائب باهظة على من تبقى، وأتلف مزارعهم.
3. جرائم فخر الدين باشا:
          قام فخر الدين باشا بأبشع جريمة في تاريخ الدولة العثمانيَّة, خلال حُكمه ثلاث سنوات بدأت في 1916م إلى 1919م للمدينة المنورة, حيث قام بتحويل المدينة إلى ثكنة عسكريَّة عثمانيَّة؛ ملأها بالجنود الترك آمرًا جميع القرى خارجها بالانتقال داخلها ليسيطر عليهم خشية تعاونهم مع الشريف حسين والقبائل العربيَّة الثائرة ضد العثمانيَّة؛ ومن رفض الانتقال من أهالي العوالي وقباء وغيرها أمر جنده بقتلهم وضربهم بالمدفعيات والرصاص، وبعد أن أحكم فخري باشا حصر أهل المدينة داخلها في عامه الأوَّل بدأ التنكيل بهم بحجة مخالفة الأوامر؛ وترحيل علماء ووجهاء المدينة وشبابها إلى دمشق عند جمال باشا حاكم سورية المعروف بعنصريته وقتله للعديد من المثقفين العرب.
          وفي 1917م أصدر أمرًا بتهجير أهل المدينة المنورة إلى بلاد الشام وتركيا بحيث لا يبقى سوى العسكر الترك تمهيدًا لتتريكها، ومن لا يرحل لا يطالبه بالطعام، فرحل حينها 40 ألفًا من أهلها قهرًا، ثم أصدر أمره بإجبار الناس على التهجير وأمر جنوده بالقبض على كل من يرونه ويضعونه في القطار؛ مما أدى إلى اختطاف الناس من الشوارع والأسواق لا يفرقون بين رجال أو نساء أو أطفال، يسوقونهم قهرًا إلى القطار وشحنهم فيه رغم توسُّلاتهم بأخذ أسرهم ومتاعهم؛ فتشتَّت الأُسَر وضاع الأبناء والنساء عن أسرهم, وزاد المأساة أن اقفل المجرم فخري باشا الأسواق والدكاكين وأمسك الأطعمة وجمع التمور من المزارع والبيوت ليجعلها لجنوده الترك فقط؛ فانتشرت أبشع مجاعة إنسانيَّة حتى بات أهلها يأكلون القطط والكلاب والحيوانات الميتة وأصبحت المدينة في سنوات حكمه فارغة من أهلها، وهذا ما ورد في كتاب "محمد الساعد" «سفر برلك.. قرن على الجريمة العثمانية في المدينة المنورة».
 
 
4. مجازر شقرا وضرما والدرعيَّة:
          لمَّا وصل إبراهيم باشا إلى شقرا حاصرها، وكان معه مهندسين حصار من إيطاليا وخبراء مدفعية من النسماء وفرنسا وألمانيا, وكان المدفع الألماني الحاسم في تلك المعركة، فأخذ يضرب شقرا من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وكان أهل شقرا يرون ضرب البنادق والرصاص وانتقال القنابل من مكان إلى آخر, وبعدها قتل الرجال والنساء والأطفال.
          ولمَّا حاصر إبراهيم باشا ضرما، لم يستسلم أهلا حتى دخل بالغدرة والخيانة، فأخذ يضرب بحمل 2700 طلقة، وكانت القرى والمدن حولها كانوا يسمعون الضرب, وكانوا يقولون "أمان ربي أمان", ليستسلم الشخص ثم يقتلونه, ويحبسون النساء والفتيات في الدكاكين، ويرون الجثث ملقاه في السكك والطرق يختلط بعضها ببعض.
          وكانت المجزرة الأشنع في الدرعيَّة؛ إذ حاصرها إبراهيم باشا عدة أشهر، "واستطاع أن يرغم عبد الله بن سعود بالتسليم، ولكن بعد التسليم خان إبراهيم باشا ودخل على أهل الدرعيَّة فحصل الذبح والقتل والتنكيل في أهلها، عام 1818م, وكانوا يجبرون أهل الدرعية على حمل ما تحمله الحيوانات على ظهورهم، وأخذ يحرق نخيلهم وبساتينهم، وكان يقتل العلماء والقضاة بأن يضعهم على فهوة المدافع فتُمزق أجسادهم, وهذا ما جاء بكتاب سعيد بن وليد طولة، مؤلف كتاب "سفر برلك وجلاء أهل المدينة المنورة إبان الحرب العالمية".
5. مذبحة مسيحيي جدة:
          في العام 1858م تعرَّضت مدينة جدَّة للغزو البحري من إحدى قطع الأسطول الإنجليزي، وسبب ذلك أنَّ "صالح جوهر" وهو أحد ملاك السفن بجدَّة، اشترى مركبًا عليه العلم الإنجليزي، فسعى إلى تغييره وإحلال علم الدولة العثمانيَّة التي كانت تحكم الحجاز آنذاك محلَّه، فغضب القنصل الإنجليزي وذهب إلى المركب، وأعاد العلم الإنجليزي إلى مكانه من السارية، وأشيع يومها في جدة أنَّ القنصل الإنجليزي وطأ العلم العثماني بقدمه، وهو يطلق الكثير من الشتائم، فثارت ثائرة الناس، واقتحموا دار القنصل الإنجليزي وقتلوه، وقتلوا معه 20 من الدبلوماسيِّين والتجار الغربيِّين، بينما اضطر آخرون إلى الهرب سباحة إلى حيث ترسو إحدى قطع الأسطول الإنجليزي سيكلوب, كانت الأجواء النفسيَّة في جدة مهيأة لمثل تلك الحادثة، فقد أشيع قبلها أن شركة أجنبية للسفن البخارية تسعى إلى احتكار شؤون الملاحة بمساعدة بعض تجار المدينة وأثريائها، فجاءت تلك الحادثة لتشعل فتيل الغضب في المدينة.
          وعلى إثر تلك الحادثة، فتحت إحدى السفن الحربيَّة الإنجليزيَّة نيران مدافعها على جدَّة في 25 يوليو 1858م، فلقِيَ سبعة من السكَّان حتفهم من جراء تلك الغارة، وواصلت بريطانيا وفرنسا ضغطهما على الحكومة العثمانيَّة، فساقت إلى ساحة الإعدام 11 شخصًا، ثم ألحقت بهم اثنين آخرين، أحدهما محتسب مدينة جدة، وسجنت ونفت آخرين ممن حامت حولهم الشكوك بالمشاركة في ذلك اليوم.
 
6. سبي الأسرى:
        حيث يوثِّق المؤرخ المصري الجبرتي أن "عسكر المغاربة العرب (مجندون ضمن الجيش العثماني) الذين كانوا ببلاد الحجاز كان بصحبتهم من أسرى الوهابية نساء وبنات وغلمان، انزلوا عند الهمايون (مجلس وزراء بني عثمان في إسطنبول)، وطفقوا يبيعونهم على من يشتريهم مع أنهم مسلمون أحرار".
          كما ذكر الكابتن الإنجليزي فورستر سادلير، في مذكراته "رحلة عبر الجزيرة العربية"، أنه حين رافق بعض الجنود في أثناء عودتهم نحو مصر، شاهد معهم "الجمال والخيول والنساء والأطفال والعبيد الذين سلبوهم خلال غاراتهم".
          ويقول بوركهاردت المُطّلع من كثب على سير الحملة، إن هؤلاء الجنود "قتلوا ونهبوا في الطريق غالبية الوهابيين، وأرسلت إلى القاهرة 4 آلاف أذن اقتطعت من الوهابيين، وأعدت لإرسالها إلى الأستانة".
7. فقهاء على فوهات المدافع:
          يتوقف المستشرق الروسي فاسيلييف عند نهاية الدولة السعوديَّة الأولى، ويروي كيف عُذِّب الأمراء والعقداء والفقهاء، وأطلقوا النار عليهم فرادى وجماعات، كما ربطوهم إلى فوهات المدافع، ومزقوهم بالقذائف تمزيقاً، وأرغموا سليمان بن عبد الله حفيد محمد بن عبد الوهاب على الاستماع إلى أنغام الربابة قبيل الإعدام، ساخرين من مشاعره الدينيَّة.
8. جرائم ومجزر شمر والقصيم:
          في مدن وواحات جبل شمر والقصيم والدلم قتل العثمانيُّون أفراد عوائل الوجهاء والأعيان والعقداء، واستولوا على أموالهم، وأرسلوا أفراد عوائلهم وعوائل آل سعود وآل الشيخ ووجهاء نجد مع نحو 400 شخص، بينهم نساء وأطفال للإقامة في مصر.
9. امتهان السرقة:
          كتب الكابتن "ج. سادلر" أنَّ تاريخ حملة إبراهيم باشا عموماً يكشف عن "سلسلة من أبشع القساوات الوحشيَّة التي اقترفت خلافاً لأكثر الالتزامات قدسيَّة، ففي بعض الحالات اغتنى من نهب القبائل نفسها التي أسهمت بقسط في انتصاراته، وفي حالات أخرى ينتزع ثروات أعدائه المغلوبين أنفسهم الذين تمكنوا في وقت ما من تحاشي غضبه".
10. إحراق الجثث في عسير:
          في جنوبي السعودية واجه العسيريون تقدُّم تحسين باشا إلى عقبة "شعار" متسلحاً بالمدفعية، لكن المقاتلين العرب في ما يذكر إبراهيم الحفظي في "تاريخ عسير خلال خمسة قرون"، استماتوا في صدّ الغزاة، وادّعوا أنهم "يريدون الاستسلام، ثم حين اقترب منهم الأتراك واجهوهم بالنيران، ثم التحمت القوتان فذبحت أعداد كبيرة من الطرفين، ولم ينج من العسيريين إلا ما يقرب من المئتين وخمسين، وعرفت تلك الموقعة بملحمة شعار، إذ جمع الأتراك قتلى العسيريين وأحرقوهم في بطن الوادي، ثم دفنوا قتلاهم قرب العقبة، وكانوا يدفنون الثلاثة والأربعة في قبر واحد".


يتبع...
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6