جرائم العثمانيين في البلاد العربية ح4

د. ناصر الحفناوي - القاهرة

2021.07.29 - 09:23
Facebook Share
طباعة

                        الجرائم والمجازر العثمانيَّة في مصر

                                                         
          العام 1516م، أنزل السلطان سليم الأول بالمماليك بعد شراء ذمم بعضهم هزيمة عسكرية أولى في موقعة مرج دابق شمال الشام، لتنفتح أمامه بعدها السبل إلى مصر عاصمة الدولة المملوكيَّة, وقبل أن يقتحم سليم القاهرة، انتصر مرة أخرى على المماليك الذين تجمعوا تحت راية السلطان طومان باي في موقعة الريدانيَّة، ولم يكن لينتصر فيها العثمانلي، لو لم يظهر الكثير من أمراء المماليك تخاذلهم في القتال بل وينسحبون عمدًا منه, وكان من الممكن أن يستسلم طومان باي بعد أن أيقن بخيانة رفاقه، ولكنه آثر المقاومة والقتال حتى النهاية.     وعبر ثلاثة أيام كاملة، نقل طومان باي حربه ضد المحتل العثماني داخل أسوار القاهرة, وقام العثمانيون في تلك الأوقات بمذبحة كبيرة في حق المصريين أودت بحياة 10 آلاف منهم في شوارع المدينة وأزقتها, ونجح طومان باي أثناء ذلك في إلحاق أكبر الضرر به، خاصة بعد أن أشرك معه أفراد الشعب المصري في القتال، وتحديدًا أهل بولاق منهم, ولن ينهي مقاومة طومان باي البطوليَّة إلا خيانة جديدة لم تشأ سوى مطاردته في كل مكان، كان صاحبها هذه المرة حسن بن مرعي شيخ العربان في البحيرة, قدَّم بعدها طومان باي للسلطان سليم الأول الذي أمر بشنقه على باب زويلة في المشهد الشهير، ختامًا لحياة البطل الذي خلدت الذاكرة الشعبيَّة في مصر ذكراه.
          بعد الغزو، أصبحت مصر ولاية عثمانيَّة, وطوال الفترة من بدايات القرن الـ16 وحتى منتصف القرن الـ18، كتب عليها دفع الضرائب الباهظة، وتقدِّم خيراتها حصرًا لرجالات إسطنبول الذين اعتبروها أغنى ولايات الإمبراطوريَّة على الإطلاق, وقبل أن يجف ضرعها الذي احتله الأتراك دون رحمة، بدأت مصر في الانتفاض من جديد ضد العثمانيين وكانت البداية من ثورة علي بك الكبير في الفترة من 1768 وحتى 1773م.
          كان علي بك الكبير من أمراء المماليك، متوليًا منصب شيخ البلد, في عام 1768م، قام بخلع الباشا العثماني المبعوث من إسطنبول لحكم مصر وطرده من البلاد، ثم أعلن استقلال الديار المصريَّة عن الدولة العثمانيَّة, ولم يكتف بذلك، بل تحول إلى الهجوم على العثمانيين أنفسهم خارج مصر, وفي سنوات قليلة تمكن من ضم الحجاز واليمن والشام, ولولا خيانة مملوكه محمد بك أبو الذهب، الذي أغراه الذهب العثماني وغدر بأستاذه في العام 1773م، لخرجت مصر منذ ذلك الوقت المبكر من قبضة العثمانيَّين.
          لكن فشل ثورة علي بك كانت البداية لظهور وعي مصري بضرورة إحداث التغيير الكبير في البلاد, وطوال الفترة الممتدَّة من موت علي بك الكبير وحتى قدوم الحملة الفرنسيَّة، يحدثنا المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» عن الثورات والانتفاضات التي لا حصر لها، وقام بها أولاد البلد من الشعب المصري، يقودهم علماء الأزهر, وكان الدافع في كل تلك الانتفاضات المطالبة بالتخلص من المظالم والمغارم الماليَّة التي فرضها العثمانيون على مصر، وتركوا أهلها في بؤس وتعاسة, ناهيك عن الجرائم والمجازر في حق مصر:
1. جرائم سليم الأوَّل:
          كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لمحمد بن إياس (المتوفى سنة 929هـ-1523م) الذي عاصر أحداث دخول سليم الأول إلى مصر، أعطى الصورة الحقيقيَّة لهذا السلطان وذكر كمية المآسي التي مر بها المصريون في أثناء دخوله مصر، من قتلِ الشيوخ والأطفال، وسبي النساء، واسترقاق المسلمين منهم قبل غيرهم، ومجاهرة الجنود العثمانيِّين بشرب الخمر في نهار رمضان، وارتكاب الجرائم العظيمة، ناهيك عن أنَّه سعى إلى تدمير البنية الإقتصاديَّة المصريَّة، حين اقتاد أصحاب الصناعات والحرفيين إلى إسطنبول.
2. جرائم متعددة:
          يقول المؤرخ المصري محمد ابن إياس في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور) "إن ابن عثمان انتهك حرمة مصر وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتّم أطفالها وأسر رجالها وبدد أحوالها، أكثر من 50 ألف قتيل مصري", ويروي المؤرخ آيات وقصص الظلم الذي وقع وأصاب المصريين من العثمانيين في مواضع عدة من كتابه، حيث وصل الأمر إلى سقوط 10 آلاف من عوام المصريين قتلى في يوم واحد، وحسب وصف ابن إياس لهذا اليوم المشئوم “فالعثمانيَّة طفشت في العوام والغلمان والذعر ولعبوا فيهم بالسيف وراح الصالح بالطالح، فصارت جثثهم مرمية على الطرقات من باب زويلة.. ولولا لطف الله لكان لعب السيف في أهل مصر قاطبة".
3. الخوازيق:
          ابتكر العثمانيون عقوبات غاية في الوحشية مثل الإعدام بالتوسيط أو على الخازوق,
وتم استخدام الخازوق على نطاق واسع من قبل العثمانيين في مصر والشام، وقد تفنن الأتراك في صنع الخازوق، وأجروا العديد من الدراسات حول استخدامه، وكانت الدولة العثمانيَّة تدفع المكافآت للجلاد الماهر الذي يستطيع أن يطيل عمر الضحيَّة.
4. مرج دابق:
          هي الموقعة التي ارتكب فيها العثمانيُّون جريمتهم الأولى بحق المماليك، قتلوا قنصوه الغوري، وارتكبوا مذابح باسم الدفاع عن الشعب المصري, ثم ارتكب العثمانيون عدة جرائم كاقتحام الأزهر الشريف, ومسجد ابن طولون, وجامع الحاكم، وإحراق جامع شيخو، كما أنَّهم خربوا ضريح السيدة نفسية وداسوا على قبرها, وقام العثمانيون بأعمال نهب وسلب وتخريب، ووصلت الحال بهم لفرض غرامات على الزواج والطلاق، فامتنع الزواج والطلاق في تلك الأيام.
5. نقل العمال والصناعيين وأصحاب الحرف:
          كان الجنود العثمانيُّون ينقضون على منازلهم أو ورشهم وأماكن عملهم، ثم يشحنوهم داخل سفن, وبمجرد أن تمتلئ تلك السفن، يرسلونهم أفواجًا إلى إسطنبول، فأخذوا البنائين والنجارين والنحاسين والمرخمين والقبانيين والحدادين والوراقين والمبلطين والنحاتين، وغيرهم من أصحاب الحرف المهرة، وأصحاب الفنون، حتى عدهم المؤرخين خمسين مهنة خلت منها مصر, ما أدَّى إلى انهيار الصناعة والبناء في مصر طيلة عقود وقرون وجودهم في فيها.
6. مذبحة القلعة:
          تُعدُّ مذبحة القلعة من أبرز المذابح التي مرت على التاريخ المصري، وقام بتنفيذها والي مصر محمد علي باشا، الذي تمَّ تعيينه من قبل الخليفة العثماني بغرض التخلص من المماليك الذين مثلوا أكبر تهديد لحكم محمد علي، وتمَّت في الأول من مارس 1811م بعد أن تمَّ إغلاق أبواب القلعة على المماليك وإطلاق الرصاص عليهم، ليتخلص محمد علي من أبرز تهديد سياسي وعسكري داخلي له، واستتب له الأمر في مصر, وتشير بعض المصادر إلى أنَّ عدد القتلى في هذه المذبحة وصل إلى 500 قتيل تقريبًا.
7. محاربة العلم:     
          ألغى العثمانيون كافة أشكال التعليم في مصر, ليفرضوا عليها التخلُّف لتبقى ولاية تركيَّة، ورغم أن الأزهر قد نجا إلَّا أنَّه أصابه التدهور والانحلال, وقل عدد المدرسين بسبب توقف السلطة الحاكمة عن الإنفاق عليه، ولولا مساعدات الأهالي لانتهى الأزهر نهائيَّاً، وطبعاً ضعف مستوى العلماء والباحثين.
 
 يتبع...
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4