كتب نبيل صالح: من كابل إلى إدلب: طالبان في بيتنا

خاص عربي برس

2021.08.23 - 10:12
Facebook Share
طباعة

  

1
 
إذا تجردنا من عاطفة الشماتة فسوف نرى أن بايدن قد صحح الخطأ الذي ارتكبه بوش الإبن، وأن الهزيمة مشتركة بين الولايات المتحدة والشعب الأفغاني. وإذا راجعنا التاريخ فسوف نرى كيف أن كلُّ الدُّولِ المُسلمة التي تصارعت عليها واشنطن وموسكو، وقعت بين براثن الجماعات الإسلامية المتطرفة، وأبرزُ الأمثلة على ذلك ماجرى في الصومال وأفغانستان والرِّهانُ الآن على شمال وجنوب سورية التي يوجد فيها عشرات المجموعات السلفية المتطرفة من إخوة طالبان والقاعدة الذين احتفلوا الأسبوع الماضي باحتلال طالبان لكابول، وظهر تسجيلٌ (على الأغلب مفبرك من قبل النصرة لشحن مقاتليها)، منسوبٌ لأحد قياديي طالبان يقول: "إنهم "يتوقون للتوجُّه إلى إدلب لنصرة إخوتهم ضد الروافض الكفار". والواقع أن المتتبعَ لمسيرة جبهة النصرة وامتداداتها التركية، سوف يرى فيها تطابقاً مع مسيرة طالبان وامتداداتها الباكستانية، من خطف وقتل وابتزاز وتقييد حرية النساء وتجنيد فتيان مخيمات اللجوء وطلاب المدارس الشرعية وتفكيك المصانع في كابول وحلب ونقلها إلى الباكستان وتركيا، إضافة إلى اقتتال المجموعات الإسلامية مع بعضها على الزعامة والهيمنة !؟
فما حصل لأفغانستان الاشتراكية على يد الجماعات الإسلامية بعد خروج الروس منها، هو نفسه ما حصل للصومال الاشتراكية بعد خروج الروس منها، ذلك أن جيوش الأصدقاء تحمل قوة وضعفَ حكوماتها، وتنقلُ بعضَ فسادها معها، لتتحالف مع فساد الحكومات التي حلت ضيفاً على أراضها، وهذا ما تكررَ أيضاً مع الجيش السوري في لبنان خلال الحرب الأهلية حيث استغل وجوده بعض الفاسدين الذين أساؤوا للبلدين ثم انشقوا عن السلطة حين تضررت مصالحهم، ونأملُ من الأصدقاء الروس اليوم ألا يكرروا خطأهم القاتلَ في الصومال وأفغانستان. كما أن درس أفغانستان الأخير أثبتَ أيضاً أن الأمريكان يعيدون إنتاج سياساتهم وأخطاءهم وفسادَهم منذ اندحارهم في فيتنام قبل نصف قرن إلى اندحارهم في أفغانستان اليوم، ونحن الذين كنا نظن أن ساستنا فقط هم من يعيدون إنتاج أخطائهم وأعدائهم وحروبنا... فالسَّلفية السياسية المغلفة بالجشع والغباء، تماثل السلفيةَ الدينية، وكلتاهما تدمِّران هذا الكوكب الجميل، مما يعيدنا إلى قول "هاملت" في مسرحية شكسبير: "هذا العالمُ المجنونُ الذي يقوده الحمقى"!.
 
 
2
 
"كيف تسيطرُ طالبان على قرية" عنوان كُتَيِّبٌ وضعَهُ الرقيب أول في الجيش الأمريكي مارك سكستون، حيث يقول في مقدمته بأن الهُويَّة الأفغانية ليست وطنية في المقام الأول، بالمعنى الذي يشير إلى الانتماء لحدود جغرافية مع حكومة وطنية مركزية، وإنما هُويةٌ قبلية. وبينما ينظر الأمريكيون إلى الحكومة كممثلة للهُوية الوطنية، يرى الأفغانُ في القرى أن القبيلةَ هي الأهم. لذلك فإن الحكومة الأفغانية التي تدير شؤون الناس انطلاقاً من كابل لا تعني الكثير للشعب الأفغاني في القرى الواقعة تحت وطأة طالبان.
 ويشرح الرقيب مارك الذي خدم في أفغانستان، كيف تقوم طالبان ببناء شبكاتها عبر تجنيد العديد من المقاتلين والزعماء الدينيين وشيوخ القرية كمصدر للمعلومات والمساعدة، وتستخدم في البداية أحدَ هؤلاء المختارين لإقامة علاقات قبلية وعائلية مع الحركة، فالسياساتُ التي يديرها الشيوخ والتي يمثلها زعيمٌ معين؛ هي أكثرُ الجوانب التي يمكن أن تؤثر في أية قرية، وتعمل حركة طالبان على إبعاد الزعماء الذين لا يقبلون التعاون معها عن طريق الحوار، وإن لزم الأمر فإنهم يستخدمون التهديد أو العنف أو القتل.
في القرى التي يقول فيها السكان المحليون إنه لا يوجد زعيم، عادة ما يصفون الحال بأنه راحة للبال بالنسبة للقرية، لأن "لا أحد يرغبُ في المنصب"، أو "لأن الشيوخ لم يتفقوا على زعيم واحد، لذلك فمن الأفضل عدمُ وجوده". في مثل هذه الحالات من المرجح أن حركة طالبان هي من قام بتصفية الممثل القديم لتلك القرية ليتم الضغط على السكان للحصول على ممثل جديد لهم، حيث يقترحون اسم شخص ميال لطالبانً ومدعومٍ منها. وقد تعمدُ طالبان إلى تثبيت زعيم أو "ممثل للقرية" عن طريق الإكراه أو القوة.
يتم تعيينُ قائدٍ ثانوي في القرية، لضبط الذين يقاومون زعيم طالبان، ويتم دعمه بتمويل محدود ليتمكن من تحقيق ذلك.ً وعادة ما يكون لدى هذا القائد الثانوي اثنان أو خمسة من المقاتلين تحت قيادته، وغالباً ما يكون هؤلاء الجنود مسلحين بالأسلحة الصغيرة وقاذفات الآر بي جي، وقد يكون معهم خبير بالمتفجرات.
يُجْبَرُ السكانُ المحليون في بعض الأحيان على القتال، ولكن طالبان تفضل استقدامَ مقاتلين من قرى أخرى، لمنع حدوث صدام بين الأقرباء عند الحاجة لاستخدام التهديد أو العنف الجسدي.
يعمل الزعماء الدينيون على تعليم الأطفال في القرى التي أغلَقَتْ فيها طالبان المدارس الرسمية أو دمرتها، ويُعْتَبَرُ المسجد والإمام مركزاً تعليمياً لطالبان، إذ يقدم فرصةً لتعليم أطفال القرى، وحلاً وحيداً بعد إغلاق المدارس هناك، حيث تغيبُ فرصُ التعليم بسبب فقدان المقومات التعليمية.
عند الحاجة، قد تقوم طالبان بتغيير الإمام الحالي، وإن لم يكن المسجد متوفراً أصلاً فإنها تبني واحداً، ويكون بمنزلة مكان اجتماعٍ لها، ومستودعٍ لتخزين ذخائرها ومؤنها، ومركزٍ للتعليم.
ويقدِّمالسكانُ المحليون المتعاطفون الدعم لطالبان من خلال توفير الطعام والمأوى، ومن أساليب تعاونهم أن يقوم المؤيدون المعروفون بوضع الطعام والبطانيات خارج أماكن سكنهم أو في مضافات القرية ليقوم عناصر طالبان أثناء عبورهم أو عمل لهم داخل القرية باستخدامها.
تتطلب طريقة طالبان عدداً قليلاً من العناصر، حيث تكمنُ قوتها في التخريب المحلي للمستويات الأساسية لتنظيم القرية وحياتها. وللسيطرة على منطقة ما، فإن طالبان تحدد في البداية القرية الأسهل سيطرةً من غيرها، ثم تتمدد بعد ذلك نحو القرى المجاورة في المنطقة نفسها، الواحدة تلو الأخرى، مع تركيز الجهد على جانب التأثير الأسهل أيضاً في كل قرية. وباستخدام هذا النموذج، يمكن لطالبان التأثير أو السيطرة على وادٍ بأكمله، أو منطقة قد يبلغُ عددُ سكانها ما بين 1000 إلى 2500، بحيث يسيطر ما بين 20 أو 50 مقاتلاً نشطاً على عشرة قرى تضمُّ كلُّ واحدة منها ما بين المائة والمائتين وخمسين ساكناً.
لدى طالبان شبكة متطورة لدعم مقاتليها في المناطق التي تحكمها أو تسيطر عليها. ولدى عناصرها منازلُ آمنة، وعياداتٌ طبية، ونقاطُ تموينية، ومخابئُ للأسلحة، ووكلاءُ نقل، وشبكاتُ إنذارٍ مبكر. أما القوات الأمريكية والأفغانية، فإنها مثقلة بالدروع والمعدات الزائدة، ومترددة في ترك عرباتها، كما أنها تتعرض للعديد من التفجيرات على الطرق والمسارات التي تدخل عبرها إلى المنطقة، تستخدم طالبان الخدع والاستدراج لجذب قوات التحالف بعيداً عن مخابئ أسلحتها وأماكنِ قادتها في محاولة لكسب الوقت للتحرك والانسحاب، أو لنصب كمين محكم ضد القوات، ثم بعد الهجوم يختفي مقاتلو طالبان مباشرة ويذوبون في القرية، أما المدنيون فإنهم يعانون من خسائر بشرية بشكل متكرر جراء هذه العمليات، في الوقت الذي يقوم فيه عناصر الحركة بنشر دعاية أو معلومات حول استخدام القوات الأمريكية والأفغانية للقوة المفرطة ضد المدنيين. وهذا يدفع بالقوات الأمريكية والقوات الأفغانية إلى مغادرة الموقع، غير أن خروجها من القرية يكون سبباً في استمرار الهجمات وليس توقفها.
وينتهي الرقيب مارك إلى أن قوات التحالف لا تعرف حقاً "من الذي في حديقة الحيوان"، ولا يمكنها الاشتباك مع أفراد حركة طالبان بشكل فعال، أو حتى التفاعل مع نقاط تأثير القرى بشكل يحقق مصالحها. نحن نقول للناس شيئًا واحدًا، لكن تصرفاتنا مختلفة، وهو ما تسبب في امتناع السكان المحليين عن تقديم المساعدة مخافة أن يراهم الناس يتحدثون مع الأمريكيين وقوات الأمن الأفغانية، مما سيجعل أحد عناصر حركة طالبان يقوم بزيارتهم للسؤال عن سبب الحديث ومضمونه. إن القرويين المحليين يعرفون أن الحكومة ليس لديها خطة فعالة قادرة على مواجهة طالبان في قريتهم، وهم يعلمون أيضاً أن إعطاءهم أية معلوماتٍ عن طالبان أو عن العناصر الإجرامية سوف يتسبب في نتائج دموية.
وقد نشرنا في كتابنا "يوميات الحرب على سورية" الصادر في دمشق عام 2016، طريقةَ عمل الإخونج على المبدأ ذاته في حوران سنة 2009 عندما نشطوا في قرى عشائر البدو المتاخمة لحدود محافظة السويداء، فرمموا جوامعهم وأرسلوا لهم أئمة ونشطوا الدروس الدينية وجندوا الشبان ودربوهم تمهيداً للتمرد على الدولة. وقد أثبتنا ذلك بالوثائق والأسماء. وما زالت الدولة السورية تعاني اليوم في حوران ما كانت تعانيه الدولة الأفغانية في قندهار بالأمس قبل أن يذوب جيشُها ويختفي بين يوم وليلة..
 
3
 
أفغانستان بلادٌ جبليةٌ شاسعة يبلغ عدد سكانها 39 مليون نسمة، تشكل الإناثُ أكثرَ من نصفهم، ويبلغ عدد المواليد خمسة لكل امرأة، إذ يتم تزويج البنات في سن مبكرة ككل مجتمعات دول آسيا الوسطى المسلمة التي انتشرت فيها الوهابية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، حيث ملأت المملكة السعودية الفراغ الديني الذي خلفه الشيوعيون بإرسال الأئمة وبناء الجوامع وافتتاح المدارس الشرعية التي تخرج طلاب العلم الشرعي.
يتكلم الأفغان لغاتٍ متعددة ويعترف دستور أفغانستان منذ 2004 بـ 14 مجموعة عرقية من بين 21 وهم على المذهبين السني والشيعي، أكبرها البشتون الذين تنتمي طالبان إليهم. وهم مجموعة عرقية تقطن جنوب وشرق أفغانستان ويتكلمون اللغة البشتونية. ثم تأتي بعدها قومية الطاجيك، وهم أقوام فارسية آرية تسكن وسط آسيا ويتكلمون الفارسية وينتمي إليهم ابنُ سينا وعمرُ الخيام. ثم تأتي بعدهما قومية الهَزارة وهم يتكلمون الفارسية ويسكنون وسط أفغانستان. ثم أقلية تركمانية تتكلم التركمانية وأوزبك يتكلمون باللهجات الإيرانية، بالإضافة إلى أقليات قومية أخرى، ويمتد عمق هذه القوميات إلى داخل الدول المحيطة بحيث تبدو حدود أفغانستان الإدارية مجرد حدود وهمية تقسم دول آسيا الوسطى التي تتشابك قبائلها.
 يتصف الأفغان بأنهم محاربون أشداء وقد هَزَمُوا كلَّ غزاتِهم منذ أيام الإسكندر المقدوني، مروراً بجنكيز خان وتيمورلنك والصفويين وروسيا القيصرية والإمبراطورية البريطانية، وذلك قبل وجود طالبان بزمن طويل. ودان الأفغان عبر تاريخهم بالبوذية والزرادشتية والمسيحية النسطورية ثم وصل إليها الإسلام في القرن الثاني للهجرة. وسبب استمرار تنوع وانقسام الأفغان هو الطبيعة الجغرافية إذ شكلت الجبال والوديان والأحواض حدودها العرقية فجنبتها الذوبان أو الانقراض. ويفسر مولوي حقاني الأمرَ في كتابه "طالبان" بقوله: إن الشعب الأفغاني فيه من حياة الجبل شدة وغلظة وبُعْدُ هِمَّةٍ وأنفة وهي صفات لا تسمح بانقياد بعضهم للبعض الآخر، فإذا دخل العامل الديني ذهبت الغلظة والأنفة وحصل الانقياد. ويقول الكاتب فهمي هويدي في كتابه "طالبان جند الله في المعركة الغلط"، أن الدول الأخرى قد استغلت هذا العاملَ الديني ووظفته لصالحها. ويؤكد هويدي أنه لا يمكنك أن تتقدم في هذه البلاد خطوة إلا بعد أن تتراجع خطوات، بمعنى أنك لا يمكن أن تفسر الحاضر إلا إذا غصت في الماضي وأدركت دلالاتِهِ وعِبَرَهُ.
فمنذ أن أسس الزعيم أحمد شاه بابا دولة أفغانستان عام 1747، لم يستطع ممارسة صلاحياته دون بيعة شيخ الصوفية له، ولم يكن يستطيع أي حاكم الدعوة للجهاد دون فتوى علماء الدين لأن الشعب الأفغاني شديد الحساسية تجاه ذلك. ففي عام 1928 قام الملك أمان الله خان وزوجته السورية الملكة ثريا الطرزي بجولة خارجية لسبعة أشهر زارا خلالها الهند وتركيا ومصر والاتحاد السوفياتي وفرنسا وإيطاليا وإنكلترا، وتعرف إلى الأفكار العلمانية ومظاهر حداثة المجتمعات، وأعجب بتجربة كمال أتاتورك، وأمر بعد عودته بتحرير المرأة وتعليمها وإرسال الطالبات المتفوقات في بَعثات، ونزع الحجاب، وإلزام النواب بارتداء الثياب العصرية بدلاً من اللباس الشعبي، ومنع تعدد الزوجات، ورفع سن الزواج، وتقييد نشاط الملالي. فما كان من الملالي إلا أن أفتوا بكفره وألَّبُوا العامَّة عليه، وقاد التمرد ضده الضابط حبيب الله كلكاني وأنهى حكم أمان الله خان بداية عام 1929 ويؤكد ذلك ما قاله مولوي حقاني: "منذ قيام دولة أفغانستان وحتى قيام إمارة طالبان الأولى وعلى امتداد 250 سنة تولى السلطة 30 حاكما 13 منهم تسلموا منصبهم استناداً إلى أسباب دينية وعزل 11 حاكماً لأسباب دينية" (في بلاد غالبية رعاياها يحملون اسم الله في أسمائهم، حسب متابعتنا لأخبار أفغانستان). ومنذ منتصف القرن التاسع عشر لخص الشيخ جمال الدين الأفغاني واقع البلاد بالقول: "بسبب السلطة الواسعة التي يتمتع بها العلماء الأفغان (الملالي) فإنه قد تصدر عنهم أعمال مضرة يأباها الشرعُ والعقلُ، إذ يحكُمون بكفر بعض الأشخاص أو فسقه إذا رأوا منه ما يخالف أهواءهم، بل قد يكفر بعضهم بعضاً حباً بالانفراد بالرئاسة".
 
4
 
كانت أفغانستان مملكة إقطاعية يحكمها نظام شاه وراثي عندما تأسس الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني (الشيوعي) على يد نور محمد تركي وبربك كرمل في عام 1965. وكانت غالبية أعضاء الحزب من طلاب الجامعة والمثقفين الأفغان. انقسم الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني عام 1967 إلى تيارين:  (خَلْق) الستاليني و (البرشام ) المعتدل. في عام 1978 قام ضباطٌ شيوعيون في الجيش الأفغاني بانقلاب على الرئيس الأفغاني محمد داود خان الذي كان قد استولى على السلطة بعد انقلابه على ابن عمه الشاه محمد ظاهر، وقد أوصل الانقلابيون الحزب الشيوعي إلى سدة الحكم، وتم تأسيس جمهورية أفغانستان الديمقراطية الاشتراكية.
 قام الحزب بإصلاحات عدة، فأصدر قانون الإصلاح الزراعي وجعل التعليم إلزامياً ومجانياً للجميع، وأطلق برامج محو الأمية على نطاق واسع. وعملَ الشيوعيون على إلغاء المهور وتحرير المرأة والقضاء على ممارسات التمييز ضدها. وتسلمت النِّساء مناصبَ عليا في الدولة. وفي عام 1988 كانت النساء تشكل 40% من نسبة الأطباء في أفغانستان، وأصبحت أفغانستان لأول مرة دولة علمانية تم فيها فصل الدين عن السياسة.
 غضب ملالي القرى الذين كانوا يتمتعون بميزات كبيرة في ظل جهل وأمية غالبية سكان الأرياف وفجروا تمرداً ضد الشيوعيين، بزعم أن الشيوعيين كفار لا يصلُّون، ويريدون القضاء على الفقر والطبقية وهذا ضد إرادة وشرع الله. أثناء ذلك سيطر تيار "خلق" الستاليني على السلطة وقام بقمع وسجن أنصار تيار "البرشام" المعتدل ونفى عدداً كبيراً منهم إلى دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. ثم اشتعلت الحرب الأهلية بين الإسلاميين والعلمانيين التي تسببت بتدمير البلاد ونزوح ولجوء أكثر من 3,7 مليون أفغاني.
بعد مرور عام ونصف على الحرب الأهلية، قامت الحكومة الاشتراكية في أفغانستان بطلب تدخل عسكري من الاتحاد السوفييتي، فاقتحم جيشُ الاتحاد السوفييتي الأراضي الأفغانية لتأمين ممر لوجستي إلى كابل عام 1979. وبعد دخولهم كابل استولوا على القصر الرئاسي وقتلوا الرئيس الشيوعي حفيظ الله أمين (من تيار خلق) واستبدلوه بالرئيس الشيوعي الجديد ببرك كارمل من تيار "البرشام". استمر الوجود العسكري السوفييتي في أفغانستان حتى شهر شباط من عام 1989 حيث خرجت آخر دبابة سوفيتية من الأراضي الأفغانية، وتم إعلان انتصار الملالي والجماعات الجهادية، مثلما يحصل الآن بعد خروج القوات الأمريكية بينما تتهيأ القوميات والطوائف لحرب أهلية جديدة.
يمتد عمق طالبان إلى بشتون الباكستان حيث وجهت الاستخبارات الأمريكية القيادة الباكستانية لاحتضان وتدريب مجموعة من مقاتلي طالبان ومدِّهم بالسلاح والمال والدعم اللوجستي ضد قوات السوفييت ثم انضمت إليهم إسرائيل ومصر والسعودية، وسميت عملية المخابرات الأمريكية السرية لتسليح المجاهدين بعملية "سايكلون" أي الإعصار، حيث بدأ التمويل ب 10 ملايين دولار سنوياً في أول الحرب وانتهى إلى مليار دولار سنوياً في نهايتها، وكان الدور الأبرز بين هذه الدول هو الدور الباكستاني (الذي يتطابق مع الدور التركي اليوم في دعمه للجماعات الجهادية في سورية) إذ أن باكستان دولة حدودية مع أفغانستان استضافت عدداً كبيراً من اللاجئين الأفغان في مخيمات اللجوء واستخدمتها فيما بعد لتجنيد المقاتلين، كما قامت بتهريب السلاح والمقاتلين الأجانب وتسهيل كافة الأمور اللوجستية للمجاهدين.
 لم تكن حكومة الولايات المتحدة ترغب بتزويد المجاهدين بالأسلحة الأمريكية بشكل مباشر، فقد يشكل ذلك فضيحةً دولية، فاشترت أسلحة سوفييتية من مخزون إسرائيل الذي غنمته خلال حربها مع سورية ومصر والفصائل الفلسطينية سنة 1967. بعد ذلك أقدمت الولايات المتحدة على تزويد المجاهدين بصواريخ التاو المضادة للدبابات وصواريخ ستينغر المضادة للطائرات التي أرهقت القوات السوفييتية.
في نهاية الثمانينات أصبح الوجود السوفيتي في أفغانستان غير مرغوب فيه بين أوساط الشعوب السوفيتية والأفغانية، الأمر الذي دفع الرئيس محمد نجيب الله إلى طلب انسحاب القوات السوفييتية لاعتقاده بقدرة الحكومة والجيش الأفغاني مواصلة الحرب بمفردها. استكملت القوات السوفياتية انسحابها بداية عام 1989. وكان الجيش الأحمر السوفيتي قد جهز الجيش الأفغاني ودعمه بالتدريب والخبرات حيث بلغ عدد القوات الأفغانية قبيل الانسحاب السوفيتي نحو 300 ألف جندي أفغاني مدعوماً بميليشيات الحزب الشيوعي والشرطة، وكذا كان عليه الحال حين مغادرة الأمريكان للأراضي الأفغانية الأسبوع الماضي.
من أسباب سقوط الحكومة الاشتراكية الأفغانية في كابل استمرار الانقسام بين تياري الحزب العلماني، وضعف الجبهة الداخلية، والتخوف من الانقلابات العسكرية، والأزمة الاقتصادية الخانقة بعد حرب دامت 14 عاماً، وانقطاع الدعم الاقتصادي السوفييتي، وتفاقم حالة الفساد. غير أن انشقاق الجنرال عبد الرشيد دوستم من الجيش الأفغاني وانضمامه إلى المجاهدين كان السبب الرئيسي للانهيار.
بعد سقوط كابل، فرّ الرئيس محمد نجيب الله إلى مبنى الأمم المتحدة وعاش هناك كلاجئ حتى عام 1996 حيث أقدم مقاتلو طالبان على اقتحام مبنى الأمم المتحدة وخطف الرئيس محمد نجيب الله وقاموا بسحله في شوارع كابل بعد إخصائه ثم شنقه على عمود كهرباء، وقد استلهم إسلاميو سورية ذلك في بداية الحرب، حيث نكلوا بموظفي الدولة وسحلوهم ثم شنقوهم عراة على أعمدة الكهرباء.
بعد تدمير شبه كلي للعاصمة كابل، والتنكيل بأعضاء الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، ورموز الحكومة الاشتراكية، وكلِّ من أيَّدَهُم، وبعد الانتهاء من حرب أهلية دامية بين الشيوعيين والإسلاميين استمرت أكثر من 14 عاماً، بدأت حربٌ أهلية جديدة ولكن هذه المرة بين المجاهدين الإسلاميين أنفسهم حيث كفرت طالبان مجموعات القبائل من المذاهب الأخرى. وشهدت المدن الكبيرة معارك شرسة استمرت حتى عام 1996 عندما صعدت حركة طالبان كأقوى مجموعة بين الحركات الإسلامية، وسيطرت على السلطة ومساحات شاسعة من أفغانستان حتى عام 2001 وقيام القاعدة بتنفيذ هجومها على الولايات المتحدة التي اتخذت قراراً بغزو أفغانستان بحجة ملاحقة مقاتلي القاعدة الذين تستضيفهم طالبان. فنشبت الحرب الأهلية الثالثة بين طالبان والتحالف الشمالي الذي يضم فصائل إسلامية مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية والناتو لتنهي حكم طالبان عام 2001 ثم أقامت واشنطن حكومة ورئيساً بشتونياً تربَّى في حجرها. وبعد عشرين عاماً من الاحتلال وبليون دولار نفقات خرجت القوات الأمريكية من أفغانستان واستولت طالبان على البلاد في 15 آب الجاري.
لم يفهم أحدٌ السببَ الحقيقي للاحتلال الأمريكي لأفغانستان، ولا سبب خروجهم منها، غير أن مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج كان قد صرح في العام 2011 أن الأمريكان استخدموا أفغانستان كغسالة لأموالهم القذرة، لذلك كانت حرباً لا هدف لها، وليس مهماً نجاحُها أو فشلُها، فالأرباح هي ما يشكل النجاح بالنسبة لهم. وقد يكون كلامُ الرجل الذي فضح أسرارَ واشنطن هو الأكثر إقناعاً حتى الآن.
 
5
 
في كتابه "حركة طالبان من النشوء إلى السقوط" يقول الباحث الإيراني محمد سرافرا: وفّرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية في باكستان أرضية خصبة لتنامي أفكار ومعتقدات متشددة كالوهابية. حيث توجهَ دُعاة الوهابية الأوائل إلى شبه القارة الهندية في القرن التاسع عشر وتزامن ذلك مع تنظيمات عقائدية أخرى مثل "ديوبندية" (نسبة إلى بلدة في الهند) التي أصبحت فيما بعد منطلقاً للعديد من الحركات السياسية المتطرفة. غير أن الوهابية باتت تطرح في المجتمع الباكستاني كقوة سياسية وعقائدية، مع تنامي العلاقات بين الباكستان والسعودية، وحرص السعودية على نشر الوهابية في أفغانستان. حيث بنت المساجد وموَّلت الكثير من المدارس الدينية واستقطبت مجموعات كبيرة من الملالي. وقد تشكل تيار سياسي من الطلاب الذين تخرجوا من هذه المدارس أصبح يعرف بحركة طالبان. وبعد قيام إمارتهم عام 1996 التقى الأمير تركي الفيصل رئيس جهاز الأمن السعودي مع مسؤولين باكستانيين حيث غدت السعودية أكبر داعم مالي لطالبان حسب ما نشره الصحفي الباكستاني أحمد رشيد.
ويفند د. سامح عسكر، الباحث المختص بالقضايا والجماعات الإسلامية، رأيَ من يزعمون مرجعية طالبان الصوفية بالقول: لماذا إذاً تمنع طالبان الاحتفال بالمولد النبوي؟ ولا تسمح بزيارة الأضرحة وبناء الشواهد على القبور؟ ويخلص إلى أن هذا السلوك الطالباني وهابي صرف مع أن جذوره في الحركة الديوباندية (نسبة إلى بلدة هندية) التي نشأت أواخر القرن 19 وامتدت داخل باكستان. ويرى د. عسكر أن المذهب الحنفي المعاصر مختلف عن المذهب الحنفي الأول الذي أسسه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، بعدما انقلب الأحنافُ المتأخرون على هذا المذهب وسلكوا منهجية أهل الحديث بالكلية عقب إصدار القرار العباسي بالوثيقة القادرية عام 408 هـ التي تأمر باتباع مذهب أهل الحديث وتجريم كل مخالفيه من المعتزلة والشيعة وأهل الرأي، فأجبر ذلك كثيراً من الأحناف على تغيير مذهبهم وبدأ الانقلاب في الفكر الحنفي.. صحيح أن حركة طالبان حنفية لكن المذهب الذي تتبعه لا يختلف عن مذهب أهل الحديث كثيراً ويشبه منهجية تفكير الحنابلة خصوصاً في الشأن السياسي وتصوُّرَهُم للشريعة والحاكمية والآخر والمرأة والأقليات... وقد تأثرت الحركة بفكر ابن عبد الوهاب بترويج ما يسمى بالدولة الإسلامية. كما أن سلسلة المدارس الدينية التي نشأت في الهند وباكستان كانت ضخمة جداً وشملت معظم أراضي المسلمين، ومن تلك المدارس خرجت طالبان بعد حروب الاستقلال الباكستانية فاكتسبت طالبان عداءً وراثياً ضد الهند من ناحية، وضد كل ما يخالف الشريعة التي تعلموها في المدارس من ناحية أخرى. والمدارس الدينية التي أخرجت طالبان كانت هي مركز الفتوى الرئيس وليست الدولة، فباكستان كدولة لم تكن مصدراً دينياً عند الشعب ولا مؤسساتها الرسمية، بل تبع الشعب الباكستاني فقهاء الديوباندية والجامع الأحمر.. ومن خلالهما ظهرت الجماعة الإسلامية التي هي إخونج باكستان. ويذكر أن شيوخ الحركة الديوباندية الذين صنعوا طالبان لاحقاً كانت لهم معارك فكرية ضد العلمانيين الأفغان والباكستانيين وصلت إلى حد التكفير، وعندما أعلنت أمريكا الجهاد الأفغاني ضد السوفييت تطور نفوذ الحركة وأخذ بعداً شعبياً اجتماعياً ساعدهم في سيطرتهم على أفغانستان في التسعينات. إذ أن ضعف العلمانيين الأفغان والباكستانيين هو السبب في رواج وانتشار طالبان، فالدولة لم تدعمهم مقابل انتشار كاسح لمدارس الديوباندية الدينية ، وتوجد اليوم آلاف المدارس الديوباندية على مستوى العالم تخرج فكر طالبان وترعاها جمعية علماء الإسلام بحسب تأكيد د. عسكر.
كما يؤكد فهمي هويدي ذلك بقوله: صحيح أن طالبان من أهل السنة على المذهب الحنفي، لكنَّ توجهاتِهم الفكرية تميل إلى السلفية، في الوقت الذي يعبرون فيه عن إعجابهم بالإخوان المسلمين.
معظم أفراد حركة طالبان من البشتون، المُلَّا الحالي هو هيبة الله أخوند زاده يحمل لقب أمير المؤمنين. وعلى الرغم من قيام طالبان بإنشاء مجالس شورى في الولايات، فإنها تعتبر الشورى معلمة وليست ملزمة، فالقرارات يتخذها المُلا، وله مطلق الحرية في الأخذ بآراء مجلس الشورى أو رفضها، فهو نظام حكم استبدادي لا اعتراض عليه، يزعم الحاكم أنه يستمد سلطته من الله وليس الشعب. وكانت طالبان "الحركة الإسلامية لطلبة المدارس الدينية" قد تأسست في ولاية قندهار عام 1994 على يد المُلا محمد عمر حيث بايعه طلبةُ المدارس الشرعية أميراً عليهم، وكان بينهم الأمير الحالي هيبة الله. وترفض طالبان الديمقراطية لأنها تمنح حق التشريع للشعب وليس لله. كما ترفض وضع دستور للدولة لأن القرآن والسنة هما دستور الدولة الإسلامية. ويعتبر أمير المؤمنين بمثابة الخليفة، وهو الذي يمتلك الحقيقة وهو الشاهد والحجة على الناس، بل هو الإسلام عينه، لذلك فإن كل تصرفاته وأقواله ملزمة. ينتخبه أهل الحل والعقد. ولا يسمح بتشكيل أحزاب سياسية فهي نوع من العصبيات الجاهلية، كما ترفض مدارس التعليم العصري التي تدرس العلوم الدنيوية وتسمح فقط بالمدارس الشرعية.
الانتماء إلى القبيلة والمدرسة السلفية أساس التماسك الداخلي لطالبان التي انضم إليها شيوعيون وضباط من البشتون، ويمكن أن يفسر ذلك مسألة هروب الرئيس أشرف غني وعدم قيادته للجيش والدولة في مواجهة طالبان كونه ينتمي بدوره إلى قبيلة البشتون ولا يريد أن يورث أولاده وأسرته دم قبيلته.. إذ لم تغير الشهادات العليا من نزعته القبلية على الرغم أنه حاصل على شهادته الجامعية الأولى من بيروت، وشهادة الماجستير والدكتوراه من إحدى الجامعات الأميركية.. ولم ينفع الأمريكان تنصيبه رئيساً كونه (بشتونياً معتدلاً) وإنما ارتد الأمر عليهم..
 
6
 
طالما أن طالبان تتبع عقيدة نقلية سلفية تمنع التجديد بتهمة الابتداع، فلا أمل بتغيير بنية تفكير قادتها مهما راوغوا في تصريحاتهم اليوم كي يتقبلهم المجتمع الدولي. وإذا أردنا أن نعرف مسار دولتهم مستقبلاً، فيجب أن نعود إلى ما كتب عن أمارتهم الأولى 1996 - 2001 وبأقلام كتاب متعاطفين مع طالبان.. ففي رحلته إلى أمارة أفغانستان، يسجل الباحث الإسلامي المتعاطف مع النموذج الإسلامي فهمي هويدي مشاهداته في كتابه "طالبان" فيقول: أول من حاورت من طالبان شابٌّ صغيرٌّ في الثانية والعشرين اسمه المُلا شير علي حنيفي الذي لم يكمل تعليمه الديني وعينه "أمير المؤمنين" محمد عمر مديراً للخدمات الصحية في مقاطعة جلال آباد وكان يرأس جهازاً يضمُّ 1200 عاملاً صحياً بينهم 450 طبيباً ، وآخر من التقاهم هويدي من طالبان في رحلته شاب في الخامسة والعشرين هو الملا عبد الحي مطمئن لم يكمل تعليمه الشرعي هو الآخر وقد عينه أمير المؤمنين ناطقا رسمياً باسمه. ولاحظ هويدي كيف أنهما يتشابهان حتى في الثياب والعمامة والشعر المنفلت من العمامة واللحية والنظرات الحادة التي لم ترى سوى الصحراء وجبهة القتال ولم تقع يوماً على عمران. ومن خلال نقاشهما لاحظ هويدي أن معارفهما وخبراتهما في الحياة تكاد تكون متطابقة: كلاهما لم يغادر القرية ولا يعرف شيئاً عن العالم ولا يزالان حديثَي العهد بالمدنية وبفكرة المؤسسات والحكومة، ويضيف: بين لقائي مع الأول ونقاشي مع الأخير شاهدت مئاتٍ من أولئك الشبان على تلك الشاكلة حتى خطر لي في لحظة أنهم ربما كانوا نتاج عملية استنساخ.
ويؤكد ما تقدم الملا عبد الغني ضعيف في مذكراته "حياتي مع طالبان" الذي دونه خلال فترة سجنه بغوانتاناموا، وكان مجاهداً بشتونيا مقرباً من أمير المؤمنين، جاء من مخيمات اللجوء وعمرُهُ 15 عاماُ بعدما تلقى تعليماً شرعياً في مدارسها ليتدرج من مقاتل فمفاوض ليصبح مسؤولاً عن مصارف قندهار بعد احتلال طالبان لها، ثم عمل كنائب لوزير دفاع طالبان ونائب لوزير الصناعة والثروة المعدنية، وعندما قُبض عليه كان سفيراً لطالبان. ثم أطلق الأمريكيون سراحه من سجون الباكستان ليعود للعمل مع طالبان. وإذا أردنا معرفة سر تعيينه في منصب النائب دائماً فيعود إلى نظام طالبان الأنديوالي (الانتماء إلى قائد)، حيث أن المقربين من أمير المؤمنين لا يخضعون لقوانين الحكومة، كما لا يوجد تنسيق بين الأنديواليين والحكومة. ويكون رأي النائب غير المختص ملزماً لوزيره المختص. وقد أثبتت التجربة أنه ليس لدى طالبان أية خطط واضحة للتطوير الإداري، حتى أنهم مازالوا يصرون على ارتداء اللباس التقليدي، فلا يتمكن الناس من تمييز الشرطي أو العسكري عن غيره. حيث كان المجرمون يستغلون الأمر وينتحلون صفة طالبان بهدف الابتزاز.
كان الوزراء ومديرو الإدارات جميعاً من طالبان وكلهم مُلَّا لم يكمل تعليمه الشرعي أو مولوي مكتمل التعليم الشرعي ولكنه غير مختص بأمور عمله، وذلك لقناعة أمير المؤمنين بقدرة وجدارة أهل العلوم الشرعية بالنهوض بأي مسؤولية بالدولة الإسلامية. مع التنويه أن أمير المؤمنين المؤسس لطالبان المُلا محمد عمر بدوره كان في الثلاثينات من عمره ولم يكمل تعليمه الشرعي، لذلك فإن قدراته العلمية متواضعة فضلاً عن قدراته الشخصية الأمر الذي يفسر حرص معاونيه على حجبه عن الأنظار والتخفيف من ظهوره بين الناس في المناسبات.
ويسجل الصحافي التونسي محمد الهادي الحناشي يوميات الحركة في كتابه "العاصفة والعمامة" حيث يقول: هناك مجلس علماء أو فقهاء شكله الملا عمر، وأخذ شرعيته وشرعية حركته منه. وهذا المجلس يشكل السلطة الدينية لطالبان، سواء كان في التأسيس وزعامة الملا عمر أو بعد استلام السلطة وتشكيل الوزارات. ويضم المجلس الفقهاء السُّنَّة المتشددين الذين يرون بقية الأحزاب الدينية غير إسلامية.
ويقول الحناشي: كان وزراء طالبان من البساطة، لا مكاتب فخمة ولا مراسلين، وربما اشتبه الناس بينهم وبين بقية الموظفين، فالوزير يقوم بضيافة ضيوفه بيده، فلا مواكب للسيارات ولا أبهة في الدوائر. لكن عقولهم لا تناسب الزمن، لذا كان من الصعب أن تتفاهم الحركة مع العالم الخارجي بهذه الروحية، أي بطباع ما قبل قرون من الزمن. (يصف فهمي هويدي لقاءه بوزير ثقافة طالبان فيقول أنه كان يجلس القرفصاء فوق كرسي مكتبه خلف الطاولة حيث أنهم اعتادوا الجلوس على الأرض).
 أهم وزارة في سلطة الحركة هي وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقرارات هذه الوزارة لا اعتراض عليها، حيث منعت خروج النساء لأي سبب من دون محارم، ومنعت تعليمهن وعملهن اعتماداً على النص القرآني الوارد في سورة الأحزاب 33 " وقِرْنَ في بيوتِكُنَّ" . كما فرضت النقاب على النساء، ومنعت الموسيقى والغناء، حتى في حفلات الأعراس أو المطاعم والنوادي، وحرّمت اللعب بالطيور وتربيتها، واعتبرت اللعب بالطائرات الورقية من أدوات الشيطان.  وحرمت فن النحت، والصلاة إجبارية في المساجد حيث تغلق الطرقات وتقام الحواجز أوقات الصلوات ومن يغيب صلاة واحدة مع الجماعة يسجنُ يوما،ً وحليق اللحية يسجنُ حتى تطول لحيته بمقدار قبضة. كما لم تسمح الوزارة للمتهمين باستخدام محام للدفاع عنهم باعتباره نظاماً غربياً، في الوقت الذي يستخدمون فيه الأسلحة والساعات والموبايلات الغربية. فقد أسست الحركة لإرهاب الناس عن طريق وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانشغلت بالتفاصيل عن القضايا الكبرى التي تواجه المجتمع والدولة، حسب تعبير الكاتب فهمي هويدي. 
 
7
 
تقدر نسبة الأفغان الذين يعرفون القراءة والكتابة نحو 43% والنساء 14% أي أن أكثر من نصف شعبها أمي، كما أن نصف شعبها المؤنث معطل عن المشاركة في العمل والحياة العامة بسبب الثقافة السلفية التي تعطل طاقات المجتمع وإنتاجه، فهي مستعمرة السماء حيث كل شيء بيد الرب الذي شكله الملالي على مستواهم وشاكلتهم.
وتصنف أفغانستان كأفقر دولة في العالم وأقلها نمواً، ففي عام 2005 بلغ المعدل الرسمي للبطالة 40%. وقدر عدد الشباب غير المؤهل بـ 3 مليون، وهناك نحو 3,3 مليون أفغاني يشاركون في عملية زراعة الخشخاش والإتجار بالمخدرات، بما في ذلك الأفيون الذي تشكل عائداته ثلث إجمالي الناتج المحلي لأفغانستان. فتجارة المخدرات متجذرة بعمق في استراتيجيات البقاء لطالبان، والدولة، والميليشيات، والسكان على نطاق أوسع. وسيؤدي هذا، بحسب ديفيد مانسفيلد، الباحث المتخصص في تجارة المخدرات غير المشروعة إلى تقدم سوق الهيروين العالمي، فضلاً عن تغذية مشكلة المخدرات المتزايدة داخل أفغانستان والبلدان المجاورة.
وقال تقرير الأمم المتحدة الصادر في تموز الماضي 2021، أنه في الوقت الذي تُنهي فيه الولايات المتحدة أطول حرب لها، تظل أفغانستان أكبر مورد غير مشروع للمواد الأفيونية في العالم، وتوقع التقرير أنها ستبقى كذلك لأن طالبان على وشك الاستيلاء على السلطة في كابل.
وأكدت تقارير الأمم المتحدة أن طالبان متورطة في جميع الجوانب، من زراعة الخشخاش واستخراج الأفيون والاتجار إلى فرض "ضرائب" من المزارعين ومختبرات المخدرات إلى فرض رسوم للمهربين على الشحنات المتجهة إلى إفريقيا وأوروبا وكندا وروسيا ودول أخرى.
ويوضح ديفيد مانسفيلد، أن دراساته الميدانية تظهر أن أقصى ما يمكن أن تكسبه طالبان من المواد الأفيونية غير المشروعة هو نحو 40 مليون دولار سنوياً، معظمها من الرسوم المفروضة على إنتاج الأفيون ومختبرات الهيروين وشحنات المخدرات.
ومنذ عام 2008 فصاعداً، جنت طالبان أكثر من نصف إيراداتها من المخدرات، وتنظيم الزراعة، وحماية المحاصيل، وتأمين طرق الإمداد الإجرامية إلى آسيا الوسطى.
في عام 2020 وفقا لآخر مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، كانت هناك زيادة بنسبة 37% في مساحة الأراضي المخصصة لزراعة الخشخاش. واستنتج أنه من غير المرجح أن يكون هناك تحول في اقتصاد المخدرات غير المشروع في أفغانستان في أي وقت قريب، حيث تتنافس حركة طالبان والجماعات المسلحة الأخرى وأمراء الحرب الإثنيون والمسؤولون العامون الفاسدون على أرباح المخدرات والسلطة.
 
8
 
الصلات بين طالبان ومتطرفي القاعدة الوافدين إلى سورية والعراق وليبيا واليمن قديمة نشأت خلال محاربتهم للروس والجيش الوطني في أفغانستان، حيث تلقوا دعماً من الباكستان والولايات المتحدة، مثلما تلقى المجموعات السلفية المسلحة في سورية اليوم دعماً من تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل. وقد ظهر ذلك عبر تبادل التهاني بين المجموعات السلفية المتطرفة في سوريا وطالبان الأسبوع الماضي، حيث أعطاهم نصر طالبان دفعة معنوية كبيرة، غير أن بنية المجموعات السلفية في سورية ليست متماسكة كبنية حركة طالبان التي تجمعها عصبية قبلية وينتمي أعضاؤها إلى مدرسة سلفية واحدة وهي تشبه العقيدة الصهيونية في امتزاج الدين بالقومية بل إن أساطير البشتون تقول أنهم الفرقة الضائعة من أسباط إسرائيل. بينما ينتمي مجاهدوا العرب الأفغان إلى مناطق جغرافية وقوميات متفرقة ، كما ينتمون إلى مرجعيات متعددة تختلف فيما بينها على المسائل العقدية،. وهي عرضة للتكفير بالتسلسل والانقسام، كما حصل عند انفصال الدولة الإسلامية عن القاعدة، وانفصال جبهة النصرة عن الدولة الإسلامية، ثم إنكارها للقاعدة وتغيير اسمها. ثم انفصال جماعة "حراس الدين" عن النصرة. ومازالت هذه المجموعات تتصارع مع بعضها ومع غيرها مثل وكر العقارب. كما أن تجربة واشنطن الأخيرة مع طالبان سوف تدفعها إلى موقف غير تصالحي معهم، إضافة إلى أن الدعم التركي لهم مرهوناً باستمرار حكومة العدالة والتنمية الإخونجية في السلطة.
وفي الختام فإن الإسلاميين المتطرفين لن يصلوا إلى ما وصلت إليه داعش التي انشقوا عنها، كما لن يبلغوا شأو الإخونج في السودان وتونس ومصر التي انهارت حكوماتهم بسبب عنصريتهم وعنفهم وتخلفهم وعدم مواكبتهم لحركة الحياة المعاصرة.. فالحرب بين المسلمين المعاصرين والماضويين سجال والليل طويل...
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 1