العلاقات التركية مع الدول ح2 : تركيا وأفغانستان

2021.08.23 - 01:24
Facebook Share
طباعة

        قال "Muneeza Naqv" في "bloomberg quint" يعكس الذعر في أكبر مدينة في أفغانستان التقدم الإقليمي السريع لطالبان، حيث أعاد الجماعة الأصوليَّة إلى السلطة بعد عقدين من غزو الجيش الأمريكي([1]), وحسب "رويترز" قال وزير الخارجيَّة التركي مولود جاويش أوغلو, إنَّ تركيا تجري محادثات مع جميع الأطراف في أفغانستان، بما في ذلك حركة طالبان، وتَنظر بإيجابيَّة إلى الرسائل التي بعثَ بها المتشدِّدون الإسلاميُّون منذ سيطرتهم على البلاد, وتحدَّث أوغلو أنَّ أنقرة تخلَّت عن خطط لحراسة وتشغيل مطار كابول, بعد انسحاب قوات الناتو الأخرى من أفغانستان بسبب الفوضى التي صاحبت انتصار طالبان([2]), ولعلَّ هذا ما تسعى إليه أنقرة, الوصول إلى المطار لإرضاء واشنطن وتحسين العلاقة مع الناتو والغرب.

          وهذا ما أكَّده "Aykan Erdemir" في مركز "Balkan insight" للدراسات والأبحاث, حيث قال: "كان أردوغان يأمل في تأمين ورقة مساومة أخرى مع الغرب, من خلال تولِّي إدارة مطار كابول الدولي, فجأة، لا يبدو الأمر بهذه البساطة", حيث طالب أردوغان بمساعدة "دبلوماسيَّة ولوجستيَّة وماليَّة" من واشنطن, في المقابل، كان الرئيس التركي, يأمل في أن يحصل على معاملة أكثر تفضيلاً من إدارة بايدن، التي منحته الكتف البارد خلال الأشهر الخمسة الأولى من تولِّيه المنصب، وندَّد بانتهاكات أنقرة لحقوق الإنسان في الداخل، وزعزعة استقرار السياسة الخارجيَّة والأمنيَّة في الخارج.
          ورفض مسؤول تركي تهديد الجماعة المتشدِّدة بشن الجهاد في ردها على تركيا بتأمين المطار، قائلاً إنَّ أنقرة لا تتوقَّع أن يتَّخِذ طالبان "موقفاً عدائيَّاً", وقال أردوغان للصحفيين في 20 يوليو (تموز) إنَّ طالبان يجب أن تشعر بالرَّاحة لإجراء محادثات مع أنقرة، لأنَّ "تركيا ليس لديها أي شيء يتعارض مع معتقداتهم", وعلى الرغم من استمرار الضوابط والتوازنات التركيَّة في التآكل بمعدل ينذر بالخطر، فإنَّ انهيار الحكومة الأفغانيَّ ، والارتفاع المفاجئ في عدد الأفغان النازحين الذين لجأوا إلى تركيا، والزيادة المقلقة في المشاعر المعادية للاجئين عبر الطيف السياسي التركي، كما أعاقت قاعدة دعم الكتلة الحاكمة عمليَّاً قدرة الرئيس التركي على المضي قدماً في اتفاقه مع أفغانستان, وبالتالي اعتبر أردوغان اتفاقه مع بايدن في أفغانستان, بمثابة فرصة فريدة لبناء نفوذه على الولايات المتَّحدة وحلفاء الناتو الآخرين, وأعرب أردوغان عن أمله في أن تشبه هذه الصفقة مجموعة صفقاته السابقة مع الاتحاد الأوروبي, لاستضافة النازحين السوريِّين, ومنعهم من مواصلة رحلتهم إلى الغرب, ونجحت تلك الصفقات في تخفيف خطاب بروكسل العقابي والعمل تجاه أنقرة, لكن حسب تصريحات الإدارة الأمريكيَّة, لا توجد حلول سريعة للعلاقات الأمريكيَّة التركيَّة، التي كانت على مسار تصادمي حول مجموعة واسعة من القضايا, ومع وفاة اتفاق أفغانستان بالكامل تقريبًا، سيكون من الحِكمة أن تُشرك أنقرة واشنطن بحسن نيَّة, للتفاوض بشأن القضايا المعلَّقة, بدلاً من الأمل في وضعها تحت سجَّادة أفغانيَّة لم تعد موجودة([3]).
          وفي العلاقة بين تركيا وأفغانستان قال "Burhanettin Duran" في مركز "setav" قال مهَّدت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الطريق أمام تقدُّم طالبان، الذي أدَّى بالفعل إلى نزوح مئات الآلاف من الأشخاص, مع ذلك، كان الرئيس السابق باراك أوباما، في العام 2011م، من أشار في الأصل إلى نيَّة واشنطن التراجع، بالقول إن طالبان لم تكن العدو, في النهاية، نفذ بايدن خطة للانسحاب من أفغانستان كان سلفه، دونالد ترامب، قد وضعها, مع ذلك، فإنَّ الوضع أكثر كآبة بالنسبة للبلدان التي ستتأثر بها الأزمة الأفغانيَّة, تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وروسيا، والصين، والهند، وباكستان، وإيران، وأخيراً تركيا, فالفراغ الجيوسياسي الناشئ, والصراع على السلطة الناتج عن الانسحاب الأمريكي، سيكونان قضيَّة حاسمة في المستقبل, وتعمل كل دولة لمصلحتها, فتركيا تواجه انتقادات للسيطرة على مطار كابول الدولي, وتتلقَّى أنقرة، التي حدَّدت شروطًا معيَّنة، دعوات للانسحاب من البلاد من بعض أصحاب المصلحة الذين يتساءلون عمَّا إذا كان دور تركيا غير المقاتل متوافقًا مع مصالحها الوطنيَّة, الرئيس رجب طيب أردوغان، بدوره، يصر على المشاركة في المعادلة في أفغانستان، وعرض التحدُّث مع ممثلي طالبان إذا لزم الأمر, لكن وحسب التحليلات ليس لدى تركيا الالتزام العسكري الكافي للتورُّط في حرب أهليَّة محتملة في أفغانستان, فالأتراك، الذين تربطهم علاقات وديَّة مع جميع الأطراف، بما في ذلك طالبان، لا ينوون الدخول في القتال, وهم يبحثون عن طرق لتنفيذ مهمَّتَهم في كابول ضمن هذا الإطار, فهي تريد تقديم مساهمة دبلوماسيَّة لمنع الحرب الأهليَّة بعد انسحاب الولايات المتَّحدة, حيث تعتزم أنقرة تهيئة الظروف اللازمة لقوَّاتها غير المقاتلة للسيطرة على مطار كابول, لكن في كلتا الحالتين, تؤكِّد أنَّ الدعم المالي واللوجستي أساسيَّان لإنجاز هذه المهمَّة, في الوقت نفسه، هناك محاولة مستمرة لإقناع طالبان, في هذا الصدد، حيث تريد تركيا أن تصبح وسيطًا موثوقًا به وقوَّة استقرار, فإذا كانت تركيا تسعى إلى لعب دور نشط في سياسات آسيا الوسطى، يجب أن تكون جزءًا من التوازن في أفغانستان, ولا يمكن لتركيا أن تتحمَّل مسؤوليَّة الوضع في أفغانستان، لكنَّها لا تستطيع الهروب من الأزمة هي الأخرى لا سيما قضيَّة المهاجرين([4]).
          ويتساءل "Burhanettin Duran" في تقرير آخر له, ماذا يجب أن تفعل تركيا ضد الهجرة الأفغانيَّة, لا يمكن لتركيا معالجة مسألة طالبي اللجوء من خلال "طردهم"، كما اقترح رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي "كمال كيليجدار أوغلو" مؤخرًا, وبالتالي تحتاج تركيا إلى تسريع العودة الطوعيَّة لطالبي اللجوء السوريِّين إلى سورية, لأنَّها تَعمل على منع تدفُّق الأفغان, لهذا الغرض، وربما تعيد  النظر في الهياكل الإداريَّة والعسكريَّة والتجاريَّة في "المناطق الآمنة" داخل سورية([5]).
          بدوره "Kohei Imai" الزميل الباحث في معهد الاقتصادات النامية, مؤلِّف كتاب إمكانيَّة وحدود سياسات القوة الوسطى الليبراليَّة: السياسة الخارجيَّة التركية تجاه الشرق الأوسط خلال فترة حزب العدالة والتنمية "2005-2011" قال لمركز "dayan" للدراسات, تقدِّم أفغانستان فرصة لإصلاح العلاقات بين تركيا والناتو, فبعد توتُّر العلاقات مع أوروبا, شعرت تركيا أنَّه من الضروري استعادة الثقة مع الناتو, من خلال المساهمة في مهامه, ومن وجهة نظر تركيا، كان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فرصة ذهبيَّة لذلك, حيث تدير تركيا آليَّات قوَّتها الناعمة مثل وكالة التعاون الدولي التركيَّة "TİKA", حيث تعتبر أفغانستان خامس أكبر متلقٍ منها "32.94 مليون دولار" من مساعدات التنمية، وخطَّطت "TİKA" لما يقرب من 1300 مشروع، معظمها في مجالات التعليم والصحة, وقام مركز الفكر التركي "TEPAV"، التابع لاتحاد الغُرف وبورصات السلع في تركيا "TOBB"، بتنسيق اتحاد الغرف وتبادل السلع في باكستان، واتحاد الغرف وتبادل السلع في أفغانستان, ونشرت تركيا 600 جندي في كابول كعضو في بعثة الدعم الحازم في فبراير 2021م, المساهمة الثانية لتركيا فرق إعادة الإعمار الإقليميَّة, وحسب "Umer Karim" في مركز "new linesinstitute" للدراسات يتمثَّل آخر مجال من مساهمة تركيا في تدريب أفراد الجيش الأفغاني وقوَّات الشرطة, وإلى جانب مشاركتها في مشاريع الناتو، من أجل تعزيز السلام في أفغانستان، تسعى تركيا أيضًا إلى التنسيق مع الأمم المتَّحدة([6]).
          وهذه الأهداف أكَّدها تقرير "Erica Sharma" في مركز "state craft" للدراسات, عن دوافع تركيا في أفغانستان, فهي بالإضافة للتقارب مع الناتو, يعمل أردوغان على استغلال ذلك كفرصة لإصلاح علاقات تركيا المتوتِّرة مع الولايات المتَّحدة وحلفاء الناتو الآخرين, كما تهدف من خلال ذلك إلى توفير السبل, لاكتساب القوَّة الناعمة, وتحقيق رؤيتها طويلة الأمد, للإطاحة بالسعوديَّة, وتتويج نفسها كزعيمة للعالم الإسلامي السني([7]).
          وفي بحث مركز "Mena Studies" للدراسات, تحدَّث عن سقوط المدن الأفغانيَّة باستمرار في أيدي حركة طالبان, نتيجة المعارك المستمرَّة منذ أسابيع، وسط عجز السلطات في العاصمة كابول عن السيطرة على الوضع، وأكَّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنَّه قد يستقبل زعيم حركة طالبان في الفترة المقبلة, وقال الرئيس إنه أجرى محادثات مع الجانب القطري بشأن وقف خطوات طالبان, وبحث سبل تحقيق المصالحة, في إطار جهود إنهاء القتال في أفغانستان, ويقول أردوغان: "المؤسَّسات التركيَّة تتَّخِذ الإجراءات اللازمة, فيما يتعلَّق بالتطوُّرات في أفغانستان، بما في ذلك المحادثات مع طالبان، وحتى أنا يمكن أن أستقبل زعيمها في الفترة المقبلة", ومن ناحية أخرى يرى مراقبون أنَّ الولايات المتَّحدة سعت لدعم الوجود التركي في أفغانستان, بحجَّة سد الفجوة الأمريكيَّة, وبحسب هؤلاء المراقبين، فإنَّ "أردوغان يحاول الصيد في المياه العكرة لأفغانستان، والمستنقع الأفغاني أعمق من حماية تركيا للمطار" ، على حد قولهم([8]), ومع موقف حركة طالبان المعارض, سعت تركيا لتجنيد باكستان والمجر لإنجاز مهمَّتها, حيث تُعتبر باكستان شريكًا مناسبًا وطبيعيًا لتركيا بفضل علاقاتها الثنائيَّة الطيبة مع طالبان, وبالتالي وحسب التحليل يمكن أن تساعد المهمَّة الأفغانيَّة المذكورة أعلاه, تركيا على إصلاح سياجها مع الناتو([9]).


[1]- https://www.bloombergquint.com/politics/chaos-reports-of-deaths-at-kabul-airport-afghanistan-update
[2] - https://www.reuters.com/world/middle-east/turkey-talks-with-all-afghan-parties-welcomes-talibans-messages-minister-2021-08-17/
[3]- https://balkaninsight.com/2021/08/17/turkey-turns-to-taliban-but-there-is-no-more-airport-deal-to-salvage/
 
[4]- https://www.setav.org/en/what-does-the-afghan-crisis-mean-for-turkey/
[5]- https://www.setav.org/en/what-should-turkey-do-against-the-afghan-migration/
[7] - https://www.statecraft.co.in/article/what-are-turkey-s-motivations-in-afghanistan
[8] - https://mena-studies.org/great-fall-is-turkey-drowning-into-afghan-swamp/
[9]- https://dayan.org/content/afghanistan-offers-opportunity-repair-turkey-nato-relations
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7