كتب احمد نظيف: تونس بعد 25 تموز... النفوذ التركي إلى تراجع

خاص عربي برس

2021.08.31 - 05:44
Facebook Share
طباعة

  ساعات قليلة بعد إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد تعليق عمل المجلس النيابي وإقالة حكومة هشام المشيشي، وصفت تركيا قرارات سعيّد، بأنها انقلاب غير دستوري على النظام السياسي في البلاد. فيما قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، في تغريدة على "تويتر": "نرفض تعليق المسيرة الديمقراطية وتجاهل الإرادة الديمقراطية للشعب في تونس. وندين الخطوات التي تفتقر إلى الشرعية الدستورية والتأييد الشعبي". وحدها تركيا من فعلت ذلك، فيما إكتفت بقية القوى الإقليمية والدولية بالدعوة للحوار ،بإعتبار أن سعيد تحرك اعتماداً على نص دستوري، وإن اختلفت الأراء في تأويله. كانت تركيا في الحقيقة تدافع على حليفتها في الداخل التونسي، حركة النهضة، وليس حباً في الديمقراطية أو الشرعية، وتعبر من خلال هذا الموقف المتشجنج على تحول في غير صالحها يحدث في تونس.


وفي هذا السياق، يبدو أن تونس تتجه نحو مراجعة اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، والتي أثارت وتثير جدلاً داخلياً واسعاً منذ سنوات، لجهة التبعات الاقتصادية الكارثية التي سببتها لميزان التجارة الخارجي لتونس، التي تعاني أصلاً من أزمة مالية خانقة ونقصاً فادحاً في احتياطي العملة الصعبة الضروري للتوريد وتسديد الديون الخارجية الضخمة. فقد كشف مدير التعاون مع أوروبا بوزارة التجارة التونسية، نبيل العرفاوي، الأسبوع الماضي، عن وجود توجه نحو مراجعة جذرية للاتفاقية الموقعة منذ 2005 مشيراً إلى أن المفاوضات مع الجانب التركي ستكون مفتوحة لتعديل الاتفاقية التجارية، أو حتى إلغائها، بهدف خفض العجز المتفاقم.كما أكد العرفاوي، أن تونس طالبت بمراجعة عاجلة للاتفاقية التجارية مع تركيا على أساس "تقليص العجز التجاري المتنامي".


إلى حدود عام 2010 كانت الاتفاقية التجارية بين تركيا وتونس محدودة التأثير على الميزان التجاري التونسي، لكن الأمور انقلبت جذرياً بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، حيث ساهمت الأحداث المتعاقبة في تفكك البنية الصناعية الداخلية وانهيار الإنتاج الوطني بشكل أدى إلى إختلال كبير في ميزان الواردات، وأصبحت البضائع التركية منخفضة التكلفة لا يمكن منافستها من طرف البضائع التونسية عالية التكلفة بسبب بيئة الاستثمار غير المستقرة. لكن السبب الرئيسي هو صعود حركة النهضة الإسلامية إلى السلطة منذ نهاية العام 2011 والتي مكنت للنفوذ التركي متعدد الأوجه، وأبرزها الوجه الإقتصادي، حيث منحت تركيا امتيازات وتسهيلات في التصدير إلى تونس وأصبح الميزان التجاري مختلاً بشكل غير مسبوق لفائدة الجانب التركي في مقابل خسائر كبيرة تكبدها الجانب التونسي.


لكن توقيت الإعلان عن هذه المراجعة الجذرية من الجانب التونسي يطرح أكثر من سؤال، حيث جاءت أياماً قليلة بعد إعلان الرئيس قيس سعيد حالة الخطر الداهم وإقرار الإجراءات الإستثنائية، أي نهاية حكم الجهة السياسية الداعم للنفوذ التركي في البلاد. فيما يتوقع مراقبون أن تتطور هذه الخطوة إلى خطوات أخرى تتجه نحو تحجيم النفوذ السياسي والثقافي التركي في تونس بشكل أكثر جذريةً، وهو ما يعني خسارة تركيا لمربع أخر من مربعات "التوسعية العثمانية" التي تحاول إعادة "عثمنتها" من خلال أدوات اقتصادية وثقافية وخيرية، كما خسرت من قبلها السودان في أعقاب سقوط نظام عمر البشير في 2019.


تمت صياغة مصطلح "العثمانية الجديدة" لوصف السياسة الخارجية الجريئة التي انتهجها حزب العدالة والتنمية بقيادة أحمد داود أوغلو ، وزير الخارجية السابق ورئيس وزراء رجب طيب أردوغان. وهو يشير إلى عودة الوجود التركي في المساحات العثمانية السابقة ، من البلقان إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى شمال إفريقيا. يحلم أحمد داود أوغلو بتركيا قوية، من شأنها أن تعزز موقعها كمحور بين القارات من خلال إشعاع "360 درجة". وهو أيضًا المُنظِّر لشكل من أشكال القوة الناعمة التي تفضل التأثير على القوة، من خلال جعل الاقتصاد أداة مركزية في سياسته الخارجية. فبين وصوله إلى السلطة وبداية الربيع العربي، وقع حزب العدالة والتنمية اتفاقيات للتجارة الحرة وحرية الحركة مع معظم البلدان في شمال إفريقيا والشرق الأوسط من بينها تونس. بل إن مشروع تكامل إقليمي يشمل سوريا ولبنان والأردن تم النظر فيه في عام 2010، "الرباعية الشامية "، المسماة "فضاء شام جن " (شام لدمشق) بطريقة ساخرة وفي إشارة إلى فضاء الحركة الأوروبية الحرة. يتطلب الترويج لـ "قوة تركيا" الخيرية والثقافية تفعيل قنوات التأثير الثقافية. تُدرج الدولة المجتمعات الناطقة باللغة التركية - من تركمان الشرق الأوسط إلى الأويغور في الصين وكذلك المجتمعات التي فيها بقايا جاليات تركية تاريخية مثل دول المغرب العربي- في أجندتها الدبلوماسية. يتم الترويج لتعليم اللغة التركية على نطاق واسع في الخارج ، بمساعدة خاصة من مدارس تمولها الحكومة التركية ومنظمات تابعة لحزب العدالة الحاكم. لقد عبرت العثمانية الجديدة لحزب العدالة والتنمية عن نفسها بشكل أكثر وضوحًا مع تصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط ، والتي اعتبرتها أنقرة فرصة لتوسيع نفوذها. في بداية الربيع العربي ، وجدت تركيا نفسها مُروَّجة لتكون "نموذجًا" للتحولات السياسية بحثًا عن معايير مرجعية. ثم بلغت شعبية أردوغان ذروتها مع الآراء العربية قبل أن تتراجع. الآن ، يُنظر إلى الطموحات العثمانية الجديدة لطيب أردوغان ويخشى منها في المنطقة على أنها عودة الإمبريالية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4