كتب نبيل صالح: العثمانية الجديدة وأخطارها على استقرار الوطن العربي وأوروبا

عربي برس

2021.08.31 - 05:45
Facebook Share
طباعة

 
 

1

قبل عام 2011، لم نكن نسمعُ بشيء اسمُهُ القضيَّةُ التُّركمانيَّة في البلدان العربية، ولم نكن نفرقُ بين التُّركمان وباقي المكوِّناتِ الوطنية، إلى أن قام الربيعُ الإخونجي، وبدأ أصحابُ النَّزعةِ العُثمانية يتحدَّثون عن اضطهاد التُّركمان من قِبَلِ بعضِ الحكومات العربية. والواقعُ أنَّ العثمانيين القدامى هم من خَلَقَ المشكلة التركمانية، عندما احتلوا البلاد العربية بعدما تَبَنَّوا دين العرب المسلمين، ثم جاؤوا بالتركمان وأقطعوهم الأراضي العربيةَ الخَصبةَ لكي يخلقوا توازناً ديموغرافياً مع السُّكَّانِ العرب. وبعد اندحارِ الأتراك في الحرب العالمية، وتشكل الجمهوريات العلمانية، ذاب من بقي من التُّركمان بفضل نظام المواطنة وسياسة الإستيعاب، ونَسَوا لغتَهم واستعرَبُوا حتى باتوا يُعْرَفُون بالعرب التُّركمان، إلا في بعض القرى الحُدُودية التي مازالَ سُكَّانُها يتكلَّمُون التُّركمانية. وبعد أحداث الربيع الإخونجي انضوى التُّركمانُ العراقيين تحت غطاء الشيعة العرب  بينما انضوى التُّركمانُ السوريين تحت غطاء السُّنَّة العرب، وباتوا يتكلمون من منطق الأكثرية المذهبية، بينما هم أقلية عرقية، يُشَكِّلُون، حسب قول باحثيهم، 3% في سورية، و 2,5% في العراق، وهم أقليات في باقي البلدان التي دانت للإمبراطورية العثمانية في البلقان والشرق الأوسط ووسط آسيا، سوى تركمانستان التي يشكلُ التركمانُ غالبيتَها إلى جانب الرُّوس والأوزبك.
والواقع، أن الأتاتوركيين العَلمانيين هم من قطعوا صِلاتِهِم بكل ما يمُتُّ إلى العثمنة بصلة، وطردوا آخر سلالة سلاطينهم إلى بلاد الشام، في الوقت الذي هيمنت فيه العائلاتُ التُّركمانية الثرية على السُّلطة في سورية والعراق بعد الاستقلال، إلى أن قامت ثورة البعث وتسنَّمَ العرب حكوماتِ بلدانهم، فركب غالبيةُ التركمان سفينةَ المعارضة ضد البعث، كشيوعيين أو إخوان مسلمين، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف التقى بعضُ الشُّيُوعيين مع الإخونجيين في مناهضة القوميين العرب في سورية والعراق ومصر، بينما اضطهدَ القوميُّون جميعَ مُعارِضِيهِم بالتَّساوي دونما تمييز بين عربي وأعجمي، سنيٍّ أو شيعي...
 
 

2

 
تتشابه القبيلة والبيئة والثقافة التي أنتجت العثمانيين، مع بيئة وثقافة وسُلالة طالبان، حيث يختلطُ الدِّين مع القوميَّة البشتونية، وكذلك القومية التُّركمانية التي تقول أسطورتُها إنَّ جَدَّ التُّرك رَبَّتْهُ ذِئبةٌ بعدما أبادَ الأعداءُ قبيلته، وأنه تزاوج مع مربيته الذئبة وخلفتْ له أبناءً أشِدَّاءَ انتقُمُوا من الأعداء. وما زال لوغو الذِّئبة الرَّمادية شعارَ الجماعاتِ التَّركمانية الإرهابية. فأيُّ مثالٍ يمكنُ أن ينشأ عليه الأطفالُ الذين يلقَّنُونَ هذه الخرافة؟
جاءت قبائلُ الترك من شمال الصين، واستوطنوا هضبةَ الأناضول، فأبادوا من عارضُوهُم واستغلُّوا من سالَمُوهُم.. والتُّركُ عشرون قبيلةً والغزُّ أكبرها، وسمُّوا تركمان لتمييزهم عن الكفار من الأتراك، فالتركماني هو التركي الأوغوزي الذي اعتنق الإسلام. وفي أواخر الدولة العثمانية أُطلِقَ اسم التُّركمان على الفلاحين، بينما أُطلق اسمُ الأتراك على المدنيين منهم. وهم يتوزعون في تركيا وتركمانستان وإيغورستان الصينية وكازاخستان وأوزبكستان وأذربيجان وقرغيزستان وأفغانستان والعراق وسورية ولبنان ومصر وليبيا والبلقان وقبرص.
ويشكّل التركمان جزءاً من النسيج المجتمعي المشرِقِيِّ منذ أيام الحقبة العثمانية، على أقل تقدير، بالرغم من أنَّ البعضَ يرى أن أصولَهُم تعودُ إلى زمن الإمبراطورية السَّلجوقية، حينما تم استقدامُهُم لمجابهة المغول خلال القرن الثالث عشر. لكن جُلَّ هِجْراتِ التُّركمان إلى البلاد العربية، سُجِّلَتْ في أواخر القرن التاسع عشر تقريباً، وقد وفد الأكراد قبلهم إلى البلاد العربية.  وعلى الرغم من حقوق المواطنة التي أعطاها لهم دستور الجمهوريات العربية، وتمثيلُهُم البرلمانيُّ لكل مواطني مناطقهم دونما تمييز، لا يزال بعضهم قائماً على الفكرة العثمانية وامتداداتِها التُّركية. حيثُ استيقظت عصبيَّتُهم بعد مرور قرن على زوال امبراطوريتهم، وراحوا يزاحمون السُّكانَ الأصليين للاستيلاء على الأراضي التي دخلوها بداية كغاصبين.
 
 

3

 
عملت المذهبيةُ الإسلاميةُ ضد تماسك وتقدم القومية العربية، وقد استمرَّ هذا العائقُ القوميُّ حتى يومنا هذا، وكان سبباً في فشل التجربة القومية في سورية والعراق. وحقيقة الأمر أن النزعة القومية العربية كانت قد أخذت مشروعيتها بعد اصطدامها مع العصبية القومية لدى الطورايين الأتراك، وإعدام الوالي جمال باشا لنخبة القوميين العرب في دمشق وبيروت... غير أن النزعة العثمانية استمرت وتوافقت مع حلم الإخونج بالدولة الإسلامية.
ظهر مصطلحُ "العثمانية الجديدة" في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عندما سارت الحركاتُ التَّجديدية في الدَّولة العُثمانية على النَّمط الأوروبي لوقف تدهور وانهيار الدولة آنذاك، حيث تأثرت البيروقراطية المثقفة بالنزعات القومية الأوروبية، فأسسوا تيارَ "العثمانيون الجُدُد" (جون توركلر) في إستانبول سنة 1765. ويقولُ الباحثُ السُّوريُّ أحمد الإبراهيم في كتابه "الأتراك من الإمبراطورية إلى الجمهورية": إن البرنامجَ السِّياسيَّ لجماعة "جون توركلر" كان في البداية محصوراً بالمطالبة بالملكية الدستورية، إلا أن هدفهم كان الجمهوريةَ، وكانوا يصرُّونَ على الإسراع بوضع دستورٍ للدولة. وقد تطورت فكرة تحديث العثمانية لتصبح "النزعة العثمانية" في ثلاثينات القرن التاسع عشر، ولكنها لم تأخذ شكلها الأيديولوجي إلا بعد عام 1868 حيث تم في هذه المرحلة السعي لتشكيل الأمة العثمانية لعدم وجود مبدأ يربط الشعوب غير التركية للعيش ضمن الأمة العثمانية، لهذا كان لابد من خلق وعي الأمة العثمانية بين مجمل القوميات، كما كان يتوجب على هذه الشعوب أن تتفاعل مع بعضها بغض النظر عن الدين أو العرق، وبذلك يتم توحيد هذه الشعوب التي قسمتها القوميات والأديان ضمن الأمة العثمانية ويتم إنقاذ الإمبراطورية من الانهيار. وهكذا تم العمل على تشكيل وحدة سياسية لا تستند فيها الهوية العثمانية على التمييز الديني أو العرقي. وبسبب ذلك سمحت السلطنة للعرب بالتمثيل الدستوري في مجلس المبعوثان كما سمحت للسوريين بتعريب مناهجهم المدرسية أيام والي دمشق مدحت باشا أحد أعضاء جماعة جون توركلر.
في مقابل النزعة العثمانية العلمانية ظهرت النزعة الإسلامية حيث كان بعض المفكرين والمثقفين الإسلاميين يبحثون عن مخرج لإنقاذ العالم الإسلامي الذي بات مهزوما أمام الغرب المسيحي، وقالوا بضرورة توحد المسلمين كافة حول الخليفة بغض النظر عن قومياتهم، حيث ربطوا التخلف بالابتعاد عن الشريعة. بينما ضاعت أصوات المفكرين الإسلاميين الداعين إلى التجديد، لعدم اهتمام القوميين بهم وعداء المتشددين لهم.
 
 

4

 
في عام 1979، تحدث توركوت أوزال عن مشـروع "العثمانية الجديدة" في محاضرة اقتصادية له وقال إن "الفكرة تهدف إلى جمع الشعوب الناطقة بالتركيـة مـن سور الصين إلى بحر الأدرياتك في أمة واحدة تكـون تركيـا صـاحبة الزعامة فيها"، أي أنها تشمل آسيا الوسطى والبلقان ومنطقة القفقـاس والشرق الأوسط. وعندما أصبح رئيسا لتركيا اسـتحدث أوزال "إدارة الجاليات التركية في الخارج" وألحقها بوزارة الخارجية ومهمتها العمـل على ربط الأقليات التركية في العـالم بوطنهـا الام مـن البلقـان الـى الصين. وفي ربيع عام 1990 عقد مؤتمر "نحو أذربيجان الكبرى" وكان أيضـاً برعاية أوزال، ودعا إلى العمل على توحيد الامة الأذربيجانية وإعادتها إلى نطاق الأمة التركية.  وفي شهر كانون الأول مـن العام نفسه عقد مؤتمر آخر في اسـتانبول سـمي "مـؤتمر الأولويـات الاستراتيجية لتركيا" حضره أوزال وقال في كلمته بأن "تركيا ستصبح قوة عظمى في نهاية القرن العشرين ليس بسبب الظروف الحالية بل لأن هذا الدور مطلوب منها في الخارج"، وأضاف بأن "تركيا ستمتد مـن أسـوار الصين إلى الأدرياتيك" .
إذاً، فَقَبْلَ أن يستلم حزب العدالة والتنمية الاخونجي السلطة كانت العثمانية الجديدة مشروعاً للقوميين لاستغلال الفراغ الذي خلفه تفكك المنظومة الشيوعية، حيث عملت تركيا على استقطاب بقايا التركمان فيها، وقال الرئيس سليمان ديميريل: "ان استقلال الجمهوريات الاسلامية بعـد سبعين سنة من الحكم الشيوعي ما هو الا حلم تركي يتحقق أخيراً ".
فغالبية الجمهوريات المستقلة فـي آسـيا الوسطى باستثناء طاجكستان تشتمل على مجموعات عرقية تركية، وتمتلك موارد طبيعية غنية من النفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة، إضافة الى أن هذه الجمهوريـات سـتكون سوقاً لتصريف البضائع التركية. فكانت تركيا أول من اعتـرف باستقلال هذه الجمهوريات، وافتتحت السفارات التركية في عواصمها ابتداءاً من عام 1992 وقام توركوت أوزال بزيارة كافـة جمهوريات آسيا الوسطى الناطقة بالتركية. وبدأت تركيا مشروعها بإقامة تجمع سياسي لهذه الجمهوريات على غرار جامعة الدول العربية، فأسست (المجلس التركي) اعتماداً على (التاريخ المشترك والروابط الثقافية والعرقية العميقـة) التي تجمع تركيا بهـذه الجمهوريات. كما عقـدت العديـد مـن الاتفاقيـات والبروتوكولات الثقافية قامت بموجبها بتأمين المقاعد الدراسية لطلبة الجمهوريات في المدارس والمعاهد والجامعات التركيـة، كمـا باشـرت بالإشراف على بناء المدارس والمعاهد العليا والمراكز الثقافية التركية في هذه الجمهوريات. بل وأقنعت جمهوريات آسـيا الوسطى الإسلامية باستخدام الأحرف اللاتينية وأرسلت إليها طابعات بالحرف اللاتيني كيما توحد كتابتها مع الخط الذي اعتمده أتاتورك في تركيا، كما قاموا بتأسيس محطات للبث الاذاعي والتلفزيوني في هذه الجمهوريات.
وبعد خروج الأمريكان من أفغانستان فإن حظوظ تركيا هي الأقوى للتعاون مع طالبان بفضل علاقاتها القديمة مع الجماعات الإسلامية المختلفة كطالبان وحزب الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي والأقلية الناطقة بالتركية (الأوزبك والتركمان) ولاننسى تعاونها سابقا مع الجنرال الأوزبكي عبد الرشيد دوستم عندما انشق عن جيش النظام الشيوعي وكان سببا في سقوط أفغانستان. أيضا كانت تركيا  تقدم منحا دراسية للطلاب الأفغان المتخرجين من المدارس التركية التي أقامتها هناك، وبث البرامج والأفلام التركية، وتدريب الموظفين، وكل ذلك بواسطة قنصلياتها التي نشرتها في مناطق كهرات وقندهار لتسهيل التواصل مع التركمان والأوزبك ضمن مشروع العثمانية الجديدة. وكانت تركيا قد استضافت العديد من المؤتمرات بشأن أفغانستان، وتوسطت بين كابول وإسلام آباد، بالإضافة لجهودها في التقريب بين حزب الجمعية الإسلامية وجماعة الإخونج.
 
 

5

 
تعود علاقة تركيا بمنطقة البلقان الى عام 1453 عندما تمكنت الدولـة العثمانيـة من احتلال القسطنطينية عاصمة بيزنطة على يد السـلطان محمـد الفاتح الذي غير اسمها إلى (اصطنبول). وفي عام 1463، أكملت الدولة العثمانية غزوها للمملكة البوسنية ووطنت فيها عشائر التركمان ليحفظوا الأمن ويجبوا الضرائب على امتداد خمسـة قـرون. ولـم تكـن السـيادة التركية موضـع ترحيـب مـن شـعوب الإقلـيم بسـبب الاختلافات القوميـة والدينيـة مـع العثمـانيين، وسـوء إدارتهـم للإقليم، فلم تهدأ ثورات شعوب البلقان ضد السلطنة وكان آخرها عام 1912.  وبانهيار الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الاولى 1916 انتهـت سيطرة العثمـاني فـي الإقلـيم، ولكنها خلفت وراءها مشاكل عرقية ودينية متشعبة: (صرب وكروات وسلوفين وبوشناق ومقدونيون وألبان...) وكان لكل منهم مشروعه القومي. لكن الشيوعيين تمكنوا من توحيدهم بعد الحرب العالمية الثانية ضمن اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية الشعبية، وبقيت كذلك حتى وفاة الرئيس جوزيف بروز تيتو عام 1980 حيث بدأ تفكك الإتحاد وانفصال مجموعاته العرقية لتشكل مجموعة من الدول ( كرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك). وكانت نتيجة هذه الانقسامات قيام الحرب الأهلية في كوسوفو 1998 التي أدت الى تدخل الولايات المتحدة الامريكية عبر الناتو فـي البوسـنة والهرسـك  وكوسـوفو.
 تتركز الجماعات المسلمة في البوسنة والهرسك، ومسلموها سلافيو الأصل في أغلبهم اعتنقوا الإسلام على امتداد القرون الماضية، إلى جانب وجود أعداد من أصول تركية وعربية وغيرها.  وكانت الحكومة التركية أحد أركان الحرب الأهلية التي نشأت هناك بعد انفجار النزعات العرقية والدينية، حيث تغلغلت داخل مجتمعات دول البلقان عن طريق الشراكة الاقتصادية والإنمائية وغطاء الجمعيات الإنسانية والخيرية وأشهرها “جمعية الشبان المسلمين” و"المنتدى الإسلامي" الذين ينشرون أيديولوجيا الإخوان المسلمين في كوسوفو.
كما عقدت اتفاقية للتعاون العسكري مع ألبانيا في نيسان 2020 وتتضمن دعماً مالياً كبيراً يوظف في مجال التسليح وبناء الجيش، مع التنويه أن خط أنابيب الغاز "ترك ستريم" المار عبر منطقة البلقان من روسيا وتركيا حتى أوروبا يلعب دورًا في استثمارات أنقرة بقطاعات الطاقة وهو أحد أسباب تقارب السياسات الروسية التركية.
استغلت تركيا نفوذها على الجمعيات الإسلامية في البلقان فوجهت في تموز 2012 "الجماعة الإسلامية" في كوسوفو لعقد خطبة جمعة مشتركة في جميع مساجد كوسوفو حيث شارك 800 إمام مسجد في محاضرة عن "تحرير أرض الشام” توجهت بعدها موجات المتطوعين من كوسوفو إلى سورية “لتحرير الأرض المقدسة أو الموت في سبيل الله". وحاربوا إلى جانب "جبهة النصرة" وتنظيم "الدولة الاسلامية". ومن لم يُقتل في سورية عاد إلى أوروبا للعمل كذئاب منفردة (ضد حكومات النصارى في أرض الكفر).
وضمن هذا السياق يمكننا مطابقة مشكلة قبرص مع مشاكل البلقان، حيث حصل التدخل التركي بحجة حماية القبارصة الأتراك من القبارصة اليونانيين، وهي مشكلة ديموغرافية خلفتها الدولة العثمانية في الأراضي اليونانية التي كانت تحتلها. فبعد الانقلاب العسكري الذي حدث في قبرص في تموز 1974 قام الجيش التركي بغزو قبرص واحتلال حـوالي 38 % من أراضي الجزيرة وأعلن القبارصة الأتـراك بعدها عن قيام "الدولة الفيدرالية لشمالي قبرص" في شباط 1975، تم بعدها تقسيم الجزيرة بين الطـائفتين التركية واليونانية مع رفض تركيا لسحب قواتها العسكرية من الجزيرة بغيـة إعادة توحيدها. ومازالت قبرص الشمالية "التركية" غير معترف بها من قبل أي دولة في العالم باستثناء تركيا. وهي تعيش نوعا من الشلل السياسي والعسكري في حالة اللاسلم واللاحرب منذ عقود. وما يفعله الأتراك الآن في شمال غرب سورية هو قريب الشبه مما فعلوه في قبرص قبل تقسيمها.
 
 

6

 
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استقلت في منطقـة القفقاس كلاً من أرمينيا وأذربيجان، فسارعت تركيـا الـى الاعتـراف الفوري بهذه الجمهوريات، وامتد الاهتمـام ليشـمل مجموعة من الدول الصغيرة المنضوية تحت الاتحاد الروسي (جمهوريـة الشيشان، جمهورية داغستان، جمهورية شبه جزيرة القـرم، جمهوريـة تتارستان، جمهورية باش كردستان)، إضافة لمناطق اخرى تتمتع بالحكم الذاتي مثل الشركس وأوستا ونخجوان (جنوب ارمينيا وأذربيجان) وكـذلك جمهورية تركستان الشرقية (شمال غرب الصين).
وترتكز الاستراتيجية التركية في القفقاس على عامل اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة في تحقيـق الهدف التركي الاستراتيجي للوجود في هذه المنطقة الهامة وضمن هذا العامل يلاحظ ان عدد الطلاب القفقاسيين الذين يدرسـون اللغـة والثقافة التركية في الجامعات التركية حوالي عشرة آلاف طالب وطالبة، إضافة إلى الجامعات والمدارس التـي انشـأتها تركيا في القفقاس (حوالي 200 مدرسة تضم مـا يقرب مـن 40 إلى 50 الف طالب وطالبة).
وقبل ذلك كانت تركيا تدعم بقوة منظمة "الجبهة الشـعبية لتحرير أذربيجان" منذ عام 1989 التي استطاعت الوصول الى السلطة عبر انتخاب رئيسها أبو الفيض آلتشي بك رئيساً للجمهورية فـي 7 حزيران 1992 ليأتي بعده خليفته حيدر علييف.
فقد وطدت السلطات التركية وجودها في آسيا الوسطى بين الجماعات الإسلامية التركمانية منذ بداية التوجه الأمريكي لتسليح هذه الجماعات في الحرب على السوفييت، ومن بين هذه الجماعات الحزب الإسلامي التركستاني الذي تأسس في أفغانستان عام 1993 بعد سيطرة الجماعات الاسلامية على الحكم في أفغانستان ومارس نشاطه بين قبائل الإيغور التركمان في الصين. وهذه الجماعة التي تنشط في سوريا اليوم امتداد للجماعة الأم التي حاربت إلى جانب طالبان ومازالت. وقد بدأت رحلات مقاتليهم إلى سوريا عام 2012 إذ جاء في البداية المقاتلون الإيغور السابقون في صفوف القاعدة بأفغانستان، ولعب هؤلاء دوراً كبيراً في تشجيع المزيد من التركمان على المجيء الى سوريا عبر دول مثل تايلاند وماليزيا وأندونيسيا ليحطوا الرحال في تركيا، كونهم يتحدثون اللغة التركية، وهناك تعاطف شعبي ورسمي مع الإيغور في تركيا، وقد سهل لهم عامل اللغة الانتقال إلى مناطق التركمان شمال سوريا، حيث جلبوا معهم عائلاتهم وأسسوا مجتمعاً خاصاً بهم ، وشاركوا في عملية السيطرة على مطار أبو الظهور في محافظة إدلب عام 2015 بالاشتراك مع "جبهة النصرة" و"جند الأقصى" . كما شاركوا في احتلال مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي لينطلق مقاتلو الحزب من هناك نحو أرياف محافظتي حماه واللاذقية ضمن مسعاهم (لتحرير الساحل السوري من النصارى والنصيريين واليهود) حيث قاموا بذبح رجال قرى شمال اللاذقية وسبي نسائهم وأطفالهم.
 
 

7

 
بعد 46 عاما من الاحتلال التركي لشمال جزيرة قبرص، أعادت تركيا التجربة نفسها في ليبيا، ولكن بنكهة عثمانية. حيث اعتمد أردوغان على توطيد صلاته بالليبيين المتحدرين من أصل تركي، وهم معروفون بالكراغلة، ومعظمهم يتمركزون في غرب ليبيا.
تعود جذور “الكراغلة” إلى الجنود الإنكشاريين الذين جاءوا إلى ليبيا مع بداية الغزو العثماني في العام 1551 وتزوجوا من نساء ليبيات وعرف أطفالهم باسم “كول أوغلي” وتطورت التسمية عبر العصور إلى “الكراغلة”. ومع مرور الزمن تكونت وحدات اجتماعية وقبائل استخدمتها السلطات العثمانية في خدمتها مقابل مزايا معينة، وانضمت لها مع الوقت قبائل عربية وبربرية بنفس المزايا أطلق عليها اسم "قولوغلية"، وكانت نواة تكونهم في مدينة مصراتة حيث تمركز جنود الإنكشارية فيها منذ سنة 1556 م، ثم التحق بهم عدد من القبائل والعائلات والأفراد المقيمين بمصراتة للتمتع بالإعفاء الضريبي كونهم من عرق شبه تركي، وقد استقر الكوارغلية في أواخر العهد العثماني الثاني على خمسة عشر قبيلة.
بعد قرار الناتو احتلال ليبيا تم استخدام الإخونج والكراغلة كرأس حربة حيث رتبت المخابرات التركية خطة التمرد ضد القذافي مع كامل التمويل والتسليح والغطاء الجوي.. كما نسقت الاستخبارات التركية فيما بعد بين كراغلة مصراته وتركمان سورية حيث أرسلوا شحنات أسلحة مستولى عليها من مستودعات الجيش الليبي، إلى شواطئ بانياس واللاذقية لتسليح المتمردين التركمان والإخوان، وقد صودرت إحداها من قبل حزب الله على الشواطئ اللبنانية.
ويتحدَّث الإعلام اليوم عن الكثير من مجالات التعاون العسكريّ والاستخباراتيّ والماليّ بين حكومة الوفاق وأنقرة الَّتي بات واضحاً أنها لن تنسحب من ليبيا في ظل سعيها لإنشاء قاعدة بحرية قرب مصراتة، وأخرى قرب ميناء الزاوية، حيث تقع مصافي النفط الرئيسية. كما وقعت اتفاقيات ثنائية لإنشاء قاعدتين جويتين غرب وشرق طرابلس. كما زودت قوات حكومة الوفاق بالمدافع الثقيلة والمدرّعات والدبابات والسفن الحربية والغواصات والطائرات المسيّرة. ويقوم الضباط الأتراك بتدريب عناصر الفصائل المسلَّحة التي تدعم حكومة السراج على جميع أنواع الأسلحة. بالإضافة إلى دعمهم ب 18 ألف مقاتل تركماني يحملون الجنسية السورية، وعشرة آلاف مرتزق من جنسيات أخرى برواتب عالية تبلغ 2000 دولار شهريا. وكل ذلك لدعم بقاء حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فائز السراج تسانده ميليشيات الإخوان المسلمين، الأمر الذي مكنه من دحر الجنرال حفتر والجيش الوطني.
ومازال المجتمع الدولي يتساءل عن سبب الثورة في ليبيا التي حازت على المركز الأول على المستوى الأفريقي في التنمية البشرية في تقرير صادر عام 2010. كما كانت ليبيا تتمتع بدرجة كبيرة من الأمن الاجتماعي، بفضل سياسات الدعم السلعي والتأمين الصحي، وكذا الأمن الجنائي. وفي تقرير نُشر عام 2007، أشاد صندوق النقد الدولي بالسلطات الليبية لإنجازاتها في مجال التنويع الاقتصادي، مشيرا الى النمو السريع في النشاط غير النفطي 7.٪ والنمو القوي في انتاج النفط 4.٪ في عام 2006.
وتسعى تركيا اليوم عبر ميليشياتها الإرهابية، إلى تحويل مدن الغرب في ليبيا إلى "إدلب" جديدة، عبر "تتريك" سكانها، حيث يتحكم “كراغلة الإخوان”، حاليا بكامل غرب ليبيا انطلاقا من مصراتة، أما فائز السراج رئيس حكومة الوفاق فهو تركي أصلي وليس كرغلي.
 
 

8

 
يوجد تشابه كبير بين توظيف "الحركة الصهيونية" وتوظيف "العثمانية الجديدة" حيث استخدمت "إسرائيل" تعاطف يهود البلدان العربية والعالم لإقامة مستعمراتهما في فلسطين تحت غطاء ديني قبل احتلالها، وتفعل تركيا مثلها اليوم. فخطر مشروع العثمانيين الجدد مستتر وغير ظاهر كخطر المشروع الصهيوني كونهم ينتمون إلى أحد المذاهب الإسلامية ويتغطون فيه بينما نواياهم قومية عنصرية استعمارية. وقد تورط العديد من العرب بالتعاون معهم معتقدين أنهم ثوار حرية، متناسين أن أجدادهم العرب بذلوا دماءهم من أجل دحر العثماني والتخلص من استبدادهم.
فبعد مرور قرن على جلاء القوات العثمانية عن البلاد العربية اندثرت الثقافة واللغة التركية لدى التركمان العرب لتوقف استخدام التركية كلغة رسمية في الولايات العربية، وبذلك تعرّب غالبية التركمان الذين يشكلون أقليات بين العرب وباتوا جزءا من النسيج الوطني، باستثناء سكان القرى الحدودية مع تركيا، حيث حافظوا على لغتهم وهويتهم التركية وحساسيتهم تجاه العرب (الذين انقلبوا على الدولة العثمانية بالتعاون مع الأعداء البريطانيين)، إذ تتجاهل ذاكرتهم الظلم والتخلف الذي أنتجه العثمانيون خلال أربعة قرون في البلاد العربية. وعلى الرغم من صفة المواطنة واندماج الكثير من التركمان العلمانيين بأوطانهم إلا أن الإسلاميين منهم مازالوا يعتبرون أنفسهم استمراراً للعثمانيين ويريدون استعادة مجد الخلافة وكأن الزمن جامد لا يتدفق.
بدأ حزب العدالة والتنمية مشروعه باستقطاب أصحاب النزعة العثمانية من التركمان باستضافة أبنائهم مجاناً في الجامعات والمعاهد التركية خلال سنوات العسل مع الدولة السورية، وتم استخدامهم كوسطاء وسماسرة لإغراق سورية بالبضائع التركية. فقد كانت دمشق البوابة التي تسلل منها حزب العدالة الذي تلقف مشروع العثمانية الجديدة وأعطاه قناعاً إسلامياً تم فيه استغلال قوة التنظيم العالمي للإخونج لدعم مشروع الخلافة الذي نادى به مؤسسهم الإمام حسن البنا منذ ثلاثينات القرن الماضي. فقد مرعلى الإخونج الكثير من الهزائم والخسارات في كل الدول العربية ذات التوجه القومي العلماني، وباتوا جاهزين للتحالف مع الشيطان للوصول إلى السلطة، في مصر وتونس وسورية، إلى أن تحالفت واشنطن معهم عام 2009 لإخراج سيناريو ثورات الربيع العربي. وبالطبع فإن جماعة حزب العدالة والتنمية كانوا أدوات المشروع الأمريكي كونهم جزءاً من حلف الناتو. وفي الوقت الذي كان تنظيم الإخونج يظن أنه يستغل مقدرات فرعهم التركي كان الترك يعملون لأجل مشروعهم الإمبراطوري الذي يسود فيه الترك على العرب، وكان ذلك سببا في انقلاب السعودية فيما بعد على تركيا وجماعة الإخونج.
وفي لبنان تغازل تركيا التركمان الموجودين فيها لبسط نفوذها في البلاد، حيث أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن الحكومة التركية مستعدة لمنح الجنسية للتركمان اللبنانيين الذين يرغبون في الحصول عليها.
وفي العراق حيث يتوزع التُركمان العراقيون في محافظات كركوك والموصل وأربيل وديالى، تفاقم الانقسام الطائفي داخل الجماعة التُركمانية العراقية تبعا للتنافس التركي الإيراني على الشيعة والسنة في العراق فالفصائل التُركمانية التي تحالفت مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، من تنظيمات الزرقاوي حتى داعش، تمكنت من تهجير كامل التُركمان الشيعة من مناطقهم. إلا أن الأكثرية التركمانية من الشيعة انتظموا في فصائل الحشد الشعبي وعادوا مع قوات الجيش العراقي للهجوم على تلك المناطق.
وفي الصومال تواجدت تركيا هناك منذ سقوط حكومته الإشراكية نظرا لعلاقتها مع مجموعات إتحادالمحاكم الإسلامية، وقد ساعدها ذلك على إنشاء أكبر قاعدة عسكرية لها وتعمل على تسليح وتدريب الجيش الصومالي وتعليمهم اللغة التركية حتى مطبخهم بات تركيا. وقد ساعدهم ذلك في الإستثمارات الإقتصادية التي منها إعادة تأهيل ميناء مقديشو.
فخلال السنوات الماضية قامت تركيا بشن العديد من عمليات التوغُّل العسكري في سوريا، وأرسلت إمدادات ومقاتلين إلى ليبيا، ونشرت قواتها البحرية في شرق المتوسط لتأكيد مزاعمها بشأن حقوقها في المنطقة، ووسَّعت عملياتها العسكرية ضد الكرد شمال العراق، وأرسلت تعزيزات عسكرية إلى آخر معاقل المعارضة السورية في إدلب، وقَدَّمت مساعدات عسكرية وعناصر مرتزقة سوريين لدعم أذربيجان في حربها ضد أرمينيا من أجل استعادة إقليم ناغورني قره باغ. ولدى تركيا اليوم وجود عسكري مباشر في قطر والصومال وأفغانستان، وقوات لحفظ السلام في البلقان، ويعتبر وجودها العسكري العالمي في الوقت الحالي هو الأكبر منذ أيام الإمبراطورية العثمانية. غير أن مشروعية الأنظمة السياسية تأتي من مدى قدرتها على توفير الأمن لشعوبها دون الانتقاص من حرياتهم وهذا ما فشلت فيه الأنظمة العربية والتركية، العلمانية والإسلامية على السواء، فأردوغان يعتقل يومياً مئات المعارضين الأتراك لسياسته العنصرية من دون تهمة مثبتة، حيث تحتل تركيا المرتبة 110 في مؤشر الديمقراطية من بين 167 دولة، بينما تحتل في معدل الاستقرار السياسي طبقاً لمقياس كوفمان المرتبة 175 من بين 195 دولة في هذا المؤشر، ما يعكس ارتداد انخراطها في حروب إحياء العثمانية عليها.
وفي أواخر شهر آب 2020، نشر النائب السابق في البرلمان التركي عن حزب "العدالة والتنمية" الحاكم متين جلونك، خريطة ـ"تركيا الكبرى" تعود إلى عهد السلاجقة وتضم مساحات واسعة من شمال اليونان وجزر بحر إيجة الشرقية، ونصف بلغاريا، وقبرص، وأرمينيا، ومناطق واسعة من جورجيا والعراق وسوريا. فقد شهدت تركيا مؤخرا تصاعداً في الحديث حول ما يُسمَّى "الوطن الأزرق" وهو مشروع تحدَّث عنه الجيش التركي ووزير الدفاع خلوصي أكار مراراً ويقوم على فرض تركيا سيطرتها في البحار المحيطة بها (شرق البحر المتوسط، وبحر إيجة، والبحر الأسود). وبالطبع هذا جنون سياسي في خضم وجود لاعبين كبار مثل الصين وروسيا وإسرائيل وإيران، مع رفض عربي للوجود التركي والإخونجي. فعندما يحاول العثمانيون الجدد توسيع ثوبهم الداخلي ليشمل باقي تركمان العالم فإنه سيتعرض للتمزق في لحظة تجاوز استطاعته، حيث أن الاقتصاد التركي لن يكون قادراً على الاستمرار بتأمين مصاريف الأحلام التوسعية لهتلر تركيا. إذ يستمر تدني الليرة التركية التي فقدت نحو ثلث قيمتها منذ العام 2018، فضلاً عن العجز المتنامي في الميزان التجاري، والذي وصل في آب الماضي 2020 إلى 4.631 مليار دولار. فتركيا حالياً من الدول الـست الأكثر دَيناً في العالم، إذ وصل دينها الخارجي إلى نحو 431 مليار دولار في نهاية آذار 2020. كما أن حجم الدخل الوطني المقدر بنحو 800 مليار دولار آخذ بالتراجع، بحيث أصبحت قيمته قرابة النصف. وننتظر سقوط حكومة إخونج تركيا كما سقطت حكومات إخونج مصر وتونس والسودان بسبب عنصريتهم الدينية والقومية واستبدادهم وتمثيل دور أكبر من استطاعتهم. فالعثمانية الجديدة هي محاولة فاشلة للي عنق التاريخ وتغيير خط سير الزمن، وسيندحر العثمانيون مجدداً ويزيدوا من عزلة الذين تعاونوا معهم ضد مواطنيهم، ولن يفهموا لأن الطمع والكراهية يعميان أصحابهم.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7