كتب أحمد نظيف: تونس بعد 25 تموز... نحو تغييرات جذرية في النظام السياسي

2021.09.16 - 07:12
Facebook Share
طباعة

  مساء 25 تموز الماضي، وبعد يوم حافل بالمظاهرات المعارضة للحكومة، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد في خطاب للشعب عن "حالة الخطر الداهم"، والتي بموجبها أقال حكومة هشام المشيشي وجمد عمل مجلس النواب، استناداً إلى الدستور، ثم أعلن لاحقاً عن إقالة وزراء الداخلية والدفاع والعدل وأجرى تغييرات جذرية على مستوى القيادات الأمنية، في خطوة وصفها خصومه الإسلاميون بالإنقلاب على الشرعية، فيما يعتبرها أنصاره حركة تصحيحية لمسار ثورة 2011، التي استولت عليها المنظومة الحزبية وحولت مسار الإنتقال الديمقراطي إلى تحالف للفساد، على حد تعبيرها.


الجذور والسياقات

بيد أن الرئيس سعيد مازال متمسكاً بأن ما أقدم عليه لم يكن إنقلاباً ولكنه عملية انقاذ تمت في إطار دستوري مستنداً على المادة الثمانين من الدستور والتي تقر بأن "لرئيس الجمهورية في حال الخطر الداهم الذي يهدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، ويتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس ومجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن الرئيس عن التدابير في بيان إلى الشعب". كما ينص على أنه "يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة، وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة". "وبعد مضي 30 يوماً على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية من أجل أقصاه 15 يوماً".

لكن طمأنينة الرئيس سعيد ليس مردها السند الدستوري بقدر ماهي مستندة إلى تأييد شعبي بدا واضحاً منذ الساعات الأولى لإعلانه عن قراراته الإستثنائية، حيث خرج المئات من الناس إلى الشوارع احتفالاً، كما أنه يستمد نوعاً من المشروعية من فشل منظومة الحكم التي كانت مهيمنة طيلة عشر سنوات على السلطة منذ 2011، والتي أوصلت البلاد عشية 25 تموز إلى حالة غير مسبوقة من التردي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فالبلاد تُعاني منذ خريف العام 2019، تاريخ الانتخابات التشريعية والرئاسية، حالةً من "الأزمة الدائمة" شملت الأصعدة كافة، وضاعَفَ من وقْعِها الاجتماعي والاقتصادي، جائحة كوفيد-19. لكن الأزمة الرئيسة سياسية بامتياز، وتعكس النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، والتي جاءت إلى البرلمان بقوى سياسية مُتناقضة البرامج والتوجهات، ولم تُعطِ الأغلبية لأيٍّ منها كي يَحكُم، لتجد البلاد نفسها قد مرت بثلاث حكومات بعد أقل من سنة على الاستحقاق الانتخابي.

وقد أضافت الجائحة الصحية إلى الوضع العام في البلاد كارثة أخرى، حيث وصلت معدلات الوفيات اليومية بفيروس كورونا في تونس إلى مستويات قياسية عالمياً في ظل تقاعس حكومة هشام المشيشي عن جلب اللقاحات وضعف مستوى الرعاية الصحية في البلاد. في هذا السياق المأزوم صعد قيس سعيد باعتباره منقذاً ووجد تأيداً شعبياً ونخبويا واسعاً، من عموم الناس ومن مختلف القوى السياسية.  وهي أساساً الأحزاب المعارضة لحكومة المشيشي، وعلى رأسها حركة الشعب القومية التي دعمت إجراءات الرئيس بشكل واضح، وحزب التيار الشعبي القومي الذي عبر عن تأييده لإعلان التدابير الاستثنائية، إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية القوية، والذي لم يرفض القرارات التي اتخذها الرئيس سعيد، داعياً في الوقت نفسه إلى "ضمانات دستورية مرافقة لقرارات رئيس الدولة". في المقابل كانت القوى السياسية المعارضة، وهي أساساً أحزاب التحالف الثلاثي الداعم لحكومة هشام المشيشي، وتتزعمها حركة النهضة إلى جانب حزبي قلب تونس وائتلاف الكرامة، وقد اعتبرت هذه ما قام به الرئيس "انقلاب على الديمقراطية"، ودعت أنصارها للنزول إلى الشوارع و"الدفاع عن الشرعية"، ودعت النواب إلى الإلتحاق بالمجلس النيابي الذي أغلقته وحدات عسكرية.

صعد سعيد إلى السلطة في عام 2019 بنسبة 73 في المائة من الأصوات ، مدعومًا بوعوده بمحاربة الفساد وإعادة بناء سيادة الدولة ، والتي دعمها حزب النهضة في ذلك الوقت. لكن على الرغم من هذا التفويض الشعبي الكبير ، وجد الرئيس نفسه غير قادر على الحكم – بحسب ما صرح - بسبب سيطرة الأحزاب الأخرى على البرلمان والنظام السياسي في تونس، الذي يوزع السلطات بين الرئاسات الثلاثة. نأى هشام المشيشي ، رئيس الحكومة الذي كلفه سعيد في أيلول 2020 ،بنفسه على نحو متزايد عن الرئيس، لدرجة أنه في كانون الثاني 2021 أسقط مرشح الرئيس لمنصب وزير الداخلية القوي. تلا ذلك استقطاب وشلل أسوأ ، حيث رفض سعيد السماح للحكومة الجديدة بأداء اليمين، بسبب شبهات فساد طالت بعض أعضائها. وقد أدى هذا المأزق إلى تفاقم الغضب الشعبي ، والتي أعطت سعيد ذريعة لإعلانه في 25 تموز. ويشمل ذلك فقدان ثقة الجمهور المتزايد باستمرار في المشرعين والأحزاب السياسية ؛ ارتفاع تكاليف المعيشة والعواقب الاجتماعية والاقتصادية للإغلاق المتكرر للحدود مع الجزائر وليبيا ؛ وسلسلة من عمليات الإغلاق وحظر التجول التي تهدف إلى الحد من انتشار الوباء، والتي فشلت في تقليل عدد الحالات والوفيات الجديدة ؛ وإحساس عام بأن المؤسسات معطلة. وهذا قد أعطى سعيد حافزاً كبيراً كي يعلن عن إجراءاته الإستثنائية من أجل كسر الجمود السياسي في البلاد ، ومعالجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، على حد قوله. لكن هل سينجح الرئيس في مشروعه مع انكماش اقتصادي بنسبة 8.8 في المائة وعجز مالي بنسبة 11.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. فيما تحتاج البلاد بشدة إلى قروض خارجية لموازنة ميزانيتها،وليس من الواضح من أين ستأتي الأموال؟

الإسلاميون وتذبذب الموقف

خلال الساعات الأولى من إعلان الرئيس سعدي عن تجميد عمل المجلس النيابي وإقالة الحكومة أعلنت حركة النهضة عن رفضها للقرار ووصفته بالإنقلاب وتوجهت نحو التصعيد بدعوة أنصارها للنزول للشوارع والإعتصام في محيط البرلمان، ثم بدأت مواقف الحركة تتراجع شئياً فشئياً، ثم وفي تحول مفاجئ ومثير قال رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي،: "إنه يتعين تحويل إجراءات الرئيس الى فرصة للإصلاح وأن تكون مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي"، بعد أن أمضى أياماً يتنقل بين وسائل الإعلام واصفاً الإجراءات الإستثنائية التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد مساء الــ 25 يوليو بــ" الإنقلاب ضد الشرعية وخرق الدستور".  وبعد ساعات قليلة من تصريح الغنوشي المثير أصدر مجلس شورى النهضة بياناً أكد فيه توجه رئيس الحركة بالدعوة إلى  تحويل إجراءات رئيس البلاد ، الأخيرة، إلى "فرصة للإصلاح" بل وإلى إعتبارها "مرحلة من مراحل التّحول الدّيمقراطي". لتتغير السردية الإسلاموية بشكل جذري في وسائل الإعلام الموالية لها وعلى وسائل التواصل الإجتماعي في توصيف إجراءات "حالة الخطر الداهم" التي قررها الرئيس، من تجميد للمجلس النيابي وإقالة للحكومة وتوقيف عدد من المسؤولين والنواب المتهمين بقضايا مالية وجنائية. ليبقى السؤال قائماً حول دوافع هذا التراجع ومدى تجاوب الرئيس سعيد مع هذه الخطوة وما هي تأثيراته على مستقبل الحركة الإسلاموية التونسية؟

يبدو موقف حركة النهضة "التنازلي والمتراجع" عن النبرة التصعيدية التي أعقبت إعلان الرئيس قيس سعيد حصيلة تفاعل عديد الأسباب الداخلية والخارجية والذاتية التي تتعلق بوضع تنظيم الحركة الداخلي، لذلك يمكن حصر دوافع هذا التحول "شبه الجذري" في ثلاث دوافع: أولها الدافع المحلي، والذي يتمحور حول عجز حركة النهضة عن الدفع بقوة شعبية جماهيرية في الشارع للضغط على الرئيس سعيد للتراجع عن إجراءاته الإستثائية، حيث حاولت الحركة ورئيسها خلال الساعات الأولى من بداية تنفيذ الإجراءات استنهاض قواعدها الجماهيرية ودعوتهم للنزول إلى الشوارع والاعتصام بمحيط البرلمان، إلا أن الاستجابة كانت ضعيفة جداً ودون المأمول، لتجد نفسها ولأول مرة فاقدة لسلاح الشارع الذي استعملته كثيراً خلال العشر سنوات الماضية من وجودها في السلطة. بل على العكس تماماً وجدت الحركة أن الجماهير التي نزلت دعماً للرئيس سعيد وضد سياسات النهضة كانت أكثر عدداً وأعلى صوتاً في الشوارع التونسية.
وثانياً الدافع الخارجي، بعد أن  فقدت الحركة الأمل في مواقف أكثر حدة من القوى الدولية، حيث كانت في البداية تعول على إدانة أمريكية و أوروبية للإجراءات التي أقدم عليها الرئيس سعيد، لكن اليوم وبعد مضي حولي عشرة أيام على ما وقع لم يصدر أي موقف من القوى الدولية الوازنة، التي تعول عليها الحركة الإسلاموية التونسية في دعمها، ضد سعيد، بإستثناء دعوات للعودة للمسار الديمقراطي دون توصيفات معيارية لما حدث بأنه "انقلاب" كما تريد الحركة.

وثالثاً وأخيراً الدافع الذاتي، والذي تلخصه الإنقسامات الشديدة التي تشق الحركة والتي برزت في شكل مواقف من بعض قيادات الحركة ضد المجلس التنفيذي ورئيسه راشد الغنوشي، حيث بدا واضحاً أن قطاعاً واسعاً من قيادات الحركة وأعضاء مجلس الشورى لا يريد للغنوشي ومجموعته التفرد بالقرار في مثل هذا السياق كي لا يعيد التاريخ نفسه كما حدث في العام 1991، عندما قرر الغنوشي الدخول في مواجهة غير متكافئة مع الدولة أدت إلى وضع المئات من أعضاء حركة النهضة في السجون، لذلك فإن وجود تيار قوي معارض للغنوشي دفع قيادة الحركة إلى التراجع أمام الرئيس سعيد وإتخاذ قرار بعدم التصعيد خوفاً من دخول الرئيس في مواجهة جذرية يمكن أن تؤدي في النهاية إلى حلّ الحركة نهائياً. ويبدو أثر هذا التيار المعارض داخل الحركة في بيان مجلس الشورى الذي شدد على "ضرورة القيام بنقد ذاتي معمق لسياساتها خلال المرحلة الماضية والقيام بالمراجعات الضرورية والتجديد في برامجها وإطاراتها في أفق مؤتمرها 11 المقرر لنهاية هذه السنة، لإعادة النظر في خياراتها وتموقعها بما يتناسب مع الرسائل التي عبر عنها الشارع التونسي و تتطلبها التطورات في البلاد."

في ظل الغموض الذي تتميز به تحركات الرئيس سعيد – وهو أحد أهم ميزاته السياسية على خصومه – يصعب توقع المسارات المستقبلية للعملية السياسية في تونس، ولاسيما المستقبل السياسي لحركة النهضة، حيث تواجه تهديدات وجودية موضوعية بسبب التأثيرات المحتملة للإجراءات الاستثنائية للرئيس التونسي وذاتية بسبب الترهل التنظيمي والانقسامات الداخلية التي تعاني منها منذ سنوات وزادت حدتها بعد 25 يوليو 2021. لكن الثابت اليوم أن "أسطورة الحركة التي لا تهزم" "والحركة الأكثر شعبية في تونس" قد انتهت دون عودة، على الأقل في المدى المنظور، حيث نجحت الحركة خلال عشر سنوات فيما فشلت فيه جميع الأنظمة التونسية السابقة، في تفكيك قاعدتها الشعبية وتحولت من حركة عقائدية تضم عناصر ملتزمة سياسياً إلى تجمع مصالح تجمعه مصالح مشتركة متعلقة أساساً بوجود الحركة ضمن الطبقة الحاكمة، حيث استفادة من وسائل الدولة وامتيازاتها في توطيد هذه المصالح، وهذا التجمع قد انفرط عقده بمجرد خروج الحركة من السلطة وفقدان هذه المصالح.  ويبدو مستقبل حركة النهضة مفتوحاً على أكثر من مسار، منها أن يتخلص التيار المعارض في الداخل من سلطة رئيسها راشد الغنوشي ويعيدون بناء الحركة على أسس جديدة، لن تكون باعتقادي بعيدةً عن "الفكرة الإسلاموية" باعتبار أن جزء من سردية التيار المعارض للغنوشي تقوم على رفضهم "الخروج من الإسلام السياسي" كما قرر مؤتمر العام 2016.  ومنها أيضاً بقاء الغنوشي على رأسها أو أحد القيادات الموالية له  وبقائها كحزب ضمن بقية الأحزاب، لكن دون فاعلية أو بفاعلية أقل مما كانت عليه، في نموذج مشابه للإخوان في الجزائر. أما المسار الثالث فيمكن أن يكون انقسام الحركة أو تحللها من خلال خروج تيارات وازنة داخلها وتأسيسها تجارب سياسية جديدة.

إلى أن يتجه سعّيد؟

بيد أن مواقف حركة النهضة "المتراجعة عن التصعيد"، على الرغم من تحولها الجذري، لم تغيير من توجه الرئيس سعيد، حيث لم يتأخر رده كثيراً بعد أن صرح في اليوم الموالي بأن  "لا حوار إلا مع الصادقين الثابتين الذين استبطنوا مطالب الشعب". وفي زيارة لوزارة الداخلية، المؤسسة الأكثر قوة في البلاد، قال الرئيس: "هناك من يريد التسلل إلى مفاصل الدولة، وإلى وزارة الداخلية على وجه الخصوص، هناك من تسلل ومن يسعى إلى التسلل (...) ليعلموا جيدا أن أية محاولة للمس من وزارة الداخلية أو ضربها من الداخل ستواجه بأكثر مما يتوقعون". في إشارة إلى ملف الجهاز السري لحركة النهضة، المعروض أمام القضاء، والذي تتهم فيه النهضة بتكوين جهاز يضم أمنيين وعسكريين واختراق مؤسسات الدولة وخاصة وزارة الداخلية. ويكشف ردّ فعل الرئيس سعيد عن استراتيجيته في التعامل مع المتغيرات السياسية بعد 25 يوليو، حيث يبدو أنه ماضٍ في عملية تغيير جذري للنظام السياسي،إلا أنه يحاول إبقاء نوع من الغموض على سياسته، مستفيداً من هذا الغموض في إنهاك خصومه في حركة النهضة، التي عجزت عن التعاطي مع المرحلة الجديدة وبدت مواقفه متغيرة جذرياً بسبب عجزها عن توقع السلوك السياسي للرئيس سعيد.


كان تقدير الرئيس سعيد منذ صعوده إلى الحكم أن الأزمات التي تعيشها تونس منذ سنوات هي إحدى تجليات أزمة النظام السياسي الهيكلية العميقة، وإن حملت تمظهرات دستورية وقانونية؛ فهذا النظام الذي أرساهُ دستور 2014، والذي يقسم السلطة على ثلاث رئاسات بين البرلمان ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، في "نظام هجين" ليس رئاسياً خالصاً ولا برلمانياً خالصاً، أفضى في النهاية إلى حالة من تنازع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث. لكن الدستور نفسه لم يكن حاسماً في تحديد الصلاحيات وحدودها، إذ تُرِكَ العديد من النقاط إلى آلية التشاور بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، خاصة في مسألة التعيينات في الوظائف العليا للدولة. وأدى غياب مؤسسة المحكمة الدستورية إلى تعمُّق الخلافات بين الرئاسات الثلاثة؛ فهذه المؤسسة القضائية منحها دستور 2014 سلطة تفسير الدستور والفصل في الخلافات حول دستورية القوانين والإجراءات التي تتعلق بالسلطة. وقد فشلت القوى السياسية الممثلة في البرلمان منذ العام 2014 في التوافق على أعضاء المحكمة، لأن تركيبتها خاضعة للمحاصصة بين رئيس الجمهورية والبرلمان والمجلس الأعلى للقضاء. وينص الفصل 72 من الدستور على أن رئيس الدولة هو المخول الوحيد بتأويل الدستور في ظل غياب المحكمة الدستورية، وهو ما يُعطي لقيس سعيّد أفضلية دستورية في ظل الصراع القائم. كما أفضت طبيعة القانون الانتخابي الذي يعتمد على نظام الاقتراع النسبي إلى إفراز مشهد سياسي مُشتَّت داخل البرلمان، حيث لا يسمح النظام الانتخابي لأي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة للأصوات بالبرلمان (109 مقاعد)، وهو ما يُحتّم على الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد البحث عن تحالفات سياسية أخرى لتشكيل حكومة أو تمرير مشاريع قوانين.

والواضح أن سعيد يتجه نحو إعادة بناء النظام السياسي، وهو ما أكده بنفسه في تصريحات صحافية قال فيها: "أحترم الدستور لكن يمكن إدخال تعديلات على النص".  واعتبر أن "الشعب سئم الدستور والقواعد القانونية التي وضعوها على المقاس، ولا بد من إدخال تعديلات في إطار الدستور". وتابع "الدساتير ليست أبدية ويمكن إحداث تعديلات تستجيب للشعب التونسي لأن السيادة للشعب ومن حقه التعبير عن إرادته". 

ومن يتابع كتابات سعيد وتصريحاته منذ سنوات، وقبل حتى أن يصل إلى سدة الحكم، يعي جيداً أن هدفه الرئيسي هو تغيير شكل النظام السياسي، حيث يعتقد أن نموذج الديمقراطية التمثيلية القائمة على الأحزاب قد وصل إلى نهايته. بل كان قد أعلن بوضوح في حملته الإنتخابية عن عزمه القيام بتعديلات جذرية للنظام تتجه نحو إعادة النظام الرئاسي وفي اتجاه "أن يكون البناء قاعديا ينطلق من المحلي نحو المركز." في إشارة للديمقراطية المجالسية التي يريد تكريسها. 

ويشرح سعيد في موضع أخر هذا النموذج الذي يريد تطبيقه بالقول:" اقترح انشاء مجالس محلية في كل معتمدية (منطقة)  وعددها 265 بحساب نائب في كل معتمدية ويتم الاقتراع بالأغلبية على الأفراد ولا يتم قبول الترشح من قبل الهيئة المعنية إلا بعد تزكية المترشح من قبل عدد من الناخبين والناخبات مناصفة حتى يكون مسؤولا أمامهم وأيضا حتى يتم تجنب الترشحات الهامشية وهذا في اعتقادي المعنى الحقيقي للتناصف والمجلس المحلي يتكون مثلا من 10 أعضاء إلى جانب الأعضاء المنتخبين يضم تمثيلية لأصحاب الإعاقة ويضم مديري الادارات المحلية إن وجدت في المعتمدية بصفتهم ملاحظين لأنه ليس لهم الحق في التصويت إلى جانب هؤلاء المشرف على الأمن في المعتمدية لا يتم تعيينه إلا من قبل الادارة المركزية و بعد تزكيته من الأغلبية المطلقة من الأعضاء المنتخبين في المجلس المحلي الذي يتولى وضع مشروع التنمية في المعتمدية. 

بعد ذلك يتم الاختيار بالقرعة على من سيتولى تمثيل المجلس المحلي في المستوى الجهوي. مثلا ولاية تعد 10 معتمديات 10 أعضاء عن كل مجلس محلي يتم الإختيار عليهم بالقرعة ولكن يجب أن تكون المدة محددة حتى يكون هناك نوع من الرقابة الداخلية والمجلس الجهوي في مستوى الولاية بخلاف الأعضاء المكونين من المجالس المحلية يتكون أيضا من كل مديري الإدارات دون أن يكون لهم الحق في تصويت يقدمون برامج ويتم التأليف بين مختلف المشاريع التي تم وضعها على المستوى المحلي يعني ما يوضع من مشاريع ينبع من الارادة الشعبية ووكالة النائب على المستوى المحلي يجب أن تكون وكالة قابلة للسحب". كما يسعى قيس سعيد – بحسب برنامجه الإنتخابي – والذي يبدو أنه ماضٍ في تطبيقه، إلى وقف دعم كل الجمعيات سواء من الداخل او من الخارج لأنها مطية للتدخل في الشؤون الداخلية"، على حد قوله. وهذه نقطة يمكن أن تجر الرجل إلى صراع مع قوى المجتمع المدني في البلاد، والتي أصبحت إحدى أكبر مراكز القوى في البلاد منذ العام 2011.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7