محمود غريب يكتب: تركيا والإخوان.. الورقة المشوَّهة قبل التمزيق

كاتب مصري متخصص في الشرق الأوسط

2021.09.28 - 09:37
Facebook Share
طباعة

 

 
 
"مصر ليست دولة عادية بالنسبة لتركيا.. نُريد تعزيز التعاون معها إلى أقصى حد، على أساس نهج يُحقق الفائدة للجميع".. يعكس هذا الخطاب البراغماتية التي لجأ إليها مؤخرًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد سنوات من التصريحات التصعيدية التي كادت تفقد في بعض محطاتها مفرداتها الدبلوماسية، لاسيما بعد 2013، عندما فتح بلاده لتنظيم الإخوان المسلمين، كقاعدة خلفية لمهاجمة النظام المصري.
 
مراكمة أفعال أنقرة، خلال السنوات الماضية، تعكس رؤية تركية قائمة على استخدام أوراق "التوتر الأمني" بالشرق الأوسط، لتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية في محيطها، بيدْ أنَّ جماعة الإخوان المسلمين مثَّلت صداعًا مفرطًا في رأس الرئيس التركي، الذي كان إلى وقتٍ قريب متمكسًا برفع أصابع يده الأربعة في مؤتمراته الصحفية؛ تضامنًا مع مشروع الجماعة في مصر، إلى أن نظر مليًا إلى يداه وما اقترفته طوال سنيِّ التوتر، فاستبدلها برفع يده كاملة الأصابع، لكنها جاءت هذه المرة طلبًا للصلح، استسلامًا أو قل هربًا من أزماته الداخلية بتصفير ملفاته المربكة خارجيًا.
 
تلك سيرة السلطة لرجلٍ رأى في نفسه جواز مرور إسلاميي الشرق الأوسط إلى الحكم، فكانت جماعة الإخوان المسلمين الجنين غير الشرعي لهذا الطموح، لن تلبث كثيرًا قبل أن تُغادر في الخفاء من الحديقة الخلفية لقصر أردوغان.
 
هنا بدا لتركيا استحالة الجمع بين مشروعها الإسلامي- إن صح وصفه- وبين متطلبات البقاء في السلطة؛ بين رؤية الجماعة إرثًا تاريخيًا وبين متطلبات الانفتاح على اللاعبين الإقليميين الذين ضاقوا ذرعًا ممن "يتحدثون باسم الله على كراسيِّ الحكم".. تلك مهمة مستحيلة، ودفعت أنقرة للترجُّل بخطوات متذبذبة نحو القاهرة.
 
قال النظام التركي للجماعة في لحظة صدق: "لقد انتهت مهمتنا تجاهكم"، وقد تناسي ما قد قال حين كانت "الإخوان" تدافع ليس على مشروعها في مصر، بل على سياسة أردوغان بين أبناء شعبه عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، تُمجّد في خطواته، ولا ترى سواها بديلاً لـ"دولة الخلافة"، وهي الآن مطالبة بمغادرة البلد، أمام اختبار يبدو صعبًا لها، هل تنقلب الجماعة على من آواها، ووفر لها كل متطلبات البقاء سياسيًا، هل تحوِّل خطابها المُمجِّد إلى ناقد وناقم، باختصار هل تعضّ اليد التي امتدت لها؟ الإجابة رهينة مستقبل المفاوضات الجارية بين أنقرة والقاهرة.
 
لفهم أدبيات العلاقة التي تحكم الطرفين (النظام التركي) وهنا أقصد الوصف الدقيق للطرف الأول بأنه "النظام القائم"، إذ من الخطأ اللفظي الحديث عن طرفين أحدهما "تركيا" والآخر "الإخوان"، باعتبار أن الأنظمة تتغير ويبقى الشعب بكل تجرُّد عن الأجندات السياسية الحاكمة.
 
النظام التركي دافع كثيرًا ووفر الحماية والدعم للجماعة في مرحلة مصارعة الشارع المصري؛ في محاولة لتأليب الرأي العام ضد النظام الحاكم، فلما قعد الشارع قعدت معه طموحات الجماعة، ومعها رأت تركيا أن الجماعة في "تيه سياسي"، وأن مصالح النظام التركي بقيت رهينة مقامرات بضعة أفراد يُديرون منصات افتراضية من أراضيها في معركة محسومة في القاهرة.
 
استفاقت تركيا على أبواب مشرّعة شكلت تهديدات حقيقية لها على الصعيد الإقليمي والدولي، ما بين عداء مع أوروبا والغرب، وسخونة المواجهات على غاز المتوسط، وورطة في ليبيا، كل ذلك دفعها لمراجعة أوراقها، لكنها في طريق العودة استخدمت خطابًا متفاوتًا تجاه مصر تحديدًا بين خفض ورفع، قبل أن تكشف خطواتها خلال الأسابيع الأخيرة استسلامًا شبه تام أمام المفاوض المصري، وإن كانت مترددة فيما يجب أن يحدث.
 
الأسباب وراء هذا الاستسلام عديدة، خاصة أزمتها الاقتصادية الخانقة التي تفرض عليها حتمية التهدئة، والبحث عن مكاسب في المتوسط، وكسب طرف قوي بحجم مصر في صراعها الأوروبي، أو على الأقل التقليل من حدة "الاستخفاف" الأوروبي بها، كما يكون لمصر دور في تقاسم الثروة في المتوسط، بعدما نجحت القاهرة في تشكيل تحالف الدول المطلة، بدون أنقرة.
 
لذلك، فإنّ تركيا مطالبة حاليًا بإعادة صياغة علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، بيد أن الخلاف القائم يتمثل في أنها تُريد تنفيذًا تدريجيًا لقائمة المطالب المقدمة من القاهرة، بينما تتمسك مصر بدفعة واحدة لفتح صفحة جديدة، وليست مجرد مناورات تركية، لا تُرضي الطرف المصري.
 
بدأت أنقرة بالملف الأسهل بالنسبة لها، وكما هي طبيعة العلاقات الدبلوماسية أو حتى التصرف البشري، فالجميع يبدأ بأسهل أو أضعف حلقة عندما يُوضَع تحت ضغطٍ؛ لذلك، فإن الحديث عن كون تأخُّر المحادثات ناتج عن تأخُّر الصيغة الجديدة التي ستتعامل بها تركيا مع جماعة الإخوان، هو اعتقاد متذبذب، باعتبار أن ملفي ليبيا والمتوسط هما الأكثر أهمية وحساسية وتعقيدًا بالنسبة لأنقرة.
 
أكاد أجزم- وأنا على إطلاع ببعض التفاصيل في هذا الملف- بأن السلطات التركية مقتنعة تمامًا أنَّ وقف القنوات والإعلاميين المحسوبين على الإخوان أو غيرها من الخطوات التي جرى تضخيمها إعلاميًا وشعبويًا في مصر، ما هي إلى خطوات "غير مُكلِّفة" بالنسبة لها، في مقابل حصولها على علاقة مستقرة مع مصر، ستُلقي بدورها بتأثيرات إيجابية في ملفات أخرى.
 
يبدو أن السلطات المصرية لا تزال غير مقتنعة بخطوات تركيا البطيئة، فيما توحي التصريحات المصرية أن الجانب التركي هو المطالب بالذهاب إلى مصر ليس العكس، بدا ذلك في قول وزير الخارجية المصري سامح شكري إن "هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به، وأنه عندما تشعر مصر بالرضا عن حل القضايا العالقة، فإن الباب سيفتح أمام مزيد من التقدم"، تلك لغة من يجلس على كرسيه ينتظر أن يحسم الآخر موقفه، تجاه تفاصيل العلاقة.
 
أيضًا التصريحات المصرية الرسمية تخبرنا بأن القاهرة لا تريد الاندفاع في اتجاه تطبيع العلاقات، قبل التأكد من أن تركيا حسمت أمرها في تصفير الملفات العالقة دون مناورات أو تحايل.
 
واحدة من "الخُدَع" التركية في هذا الاتجاه هو تفكيرها في عدم تمزيق ورقة الجماعة نهائيًا، لكن في الوقت نفسه تسليم بعض المطلوبين أمنيًا، غير أنّ هذا التوجُّه الأخير يبقى محفوفًا بمخاوف من دوائر حزب العدالة والتنمية باعتبار أن ذلك يمكن أن يطعن الحزب ويخسر أردوغان قواعده الانتخابية الإسلامية في عدد من الولايات، في حال فرر تسليم عناصر من الإخوان.
 
هنا لجأت أنقرة لحِيلة أخرى للفرار من المأزق، من خلال منح أعداد كبيرة من الجماعة الجنسية التركية، وهي الخطوة التي يمكن أن تمثل معيارًا تفاوضيًا في حال تسليم المطلوبين باعتبارهم يحملون جنسيتها الإضافية، وهذا المخرج يبدو في ظاهره شعبويًا، ولكن ثمة مآرب قانونية تفطن القاهرة جيدًا لنتائجها، لذلك كان الرد المصري تجاه هذا الملف "صفري" تسليم دون شروط ودون عراقيل قانونية.
 
هل تخلع تركيا علاقتها مع الإخوان نهائيًا؟ الإجابة لا؛ فأنقرة، بغض النظر عن كون الجماعة ورقة سياسية لها، فإن التقارب الإيديولوجي مع النظام الحاكم يجعل من الصعب إنهاء تلك العلاقة، لكن الشكل الذي ستبقى عليه علاقة الطرفين لن يكون مؤثرًا، على الأقل بالنسبة لمصر؛ أعتقد أن هذا سيكون متوافقًا أيضًا مع المطالب المصرية.
 
استنتاج القاهرة وتحليلاتها الخطوات الأخيرة للجانب التركي وكيفية الرد عليها، يكشف ذكاء المفاوض المصري في هذا الملف، فمصر لا تريد إطفاء الشمعة المشتعلة حاليًا، وإن كان نورها ضعيفًا، ولكنها تريد استبدال الشمعة بالمصباح، إنارة كاملة للعلاقات مبنية على مصالح مشتركة، لا تلاعبات ولا مساومات ولا مكرٌ فيها.
 
كل الشواهد تقول إن الملف الليبي سيكون حاسمًا في طبيعة العلاقات المصرية التركية في القريب، فوزير الخارجية المصري سامح شكري كان واضحًا حين سُئل عن طبيعة التقدم في المفاوضات بالقول إن "الملف الليبي يمثل قضية أمن قومي لمصر، وهي قضية تتصل باستقرار ليبيا والالتزام بالمسار السياسي الذي تم إقراره"، وهو جوهر المباحثات الاستكشافية.
 
لذلك يجب الانتباه إلى أن ملف الإخوان المسلمين في تركيا، لا يتصل بـ"إخوان مصر" بقدر ما يتعلق بالتنظيم بشكل عام، وفرعه في ليبيا على وجه التحديد، لكن المتابع للمشهد الليبي جيدًا يكتشف أن "مفاوضات القاهرة – أنقرة" ذات تأثير على "غرب ليبيا" تحديدا، ها هي أنقرة تفتح أبوابها لنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وتسحب البساط تدريجيا من جماعة الإخوان، حين ساعدت في تنفيذ صفقة الإفراج عن أركان النظام السابق، بينما الحديث يدور عن دور محتمل لهم في المرحلة السياسية المقبلة.
 
وسط هذا الاندفاع التركي لفك الشراكة مع جماعة الإخوان، تجد الجماعة نفسها في ملعب خالٍ، لا جمهور ولا حتى حرّاس، ولا حكمًا يضبط المباراة، وهنا كان التفكير السريع، في مغادرة الملعب، على الأقل لضمان البقاء على قيد الحياة السياسية، فكان الملعب الآسيوي الذي استوعب من قبل جماعة أكثر راديكالية من الإخوان.
 
إلى ماليزيا وأندونيسيا ودول جنوب شرق آسيا، بدأ عناصر الإخوان يفرون من الحديقة الخلفية للقصر التركي، هل غضّت أنقرة الطرف عنهم، بتصرف من يتظاهر على طاولة المباحثات بأنهم هربوا "من خلف ظَهْرانَيْنَا" دون أن ندري، أم طور الأمر لتسهيل العبور للخارج. هنا الإجابة متفاوتة، باعتبار أن ثمة أفرادًا عاديين وشبابا ينتمون تنظيميا للجماعة لكنهم غير مؤثرين في المشهد السياسي، وهؤلاء حصلوا بالفعل على دعم غير معلن للخروج، وآخرون يمثلون منطقة وسطا وتراوح التعامل معهم بين التسهيل وغض الطرف، أما الطرف الأكثر أهمية وتأثيرًا، فلا يزال أغلبهم في تركيا، ترفض أنقرة التفريط فيهم لهدفين: الأول أنهم ورقة مهمة لها في المفاوضات، والثاني أنها لا تتوقع ردة الفعل الداخلي والخارجي، وكيف سيكون تصرف القاهرة حيال هكذا تصرف.
 
هكذا، أصبحت جماعة الإخوان المسلمين بالنسبة لتركيا "ورقة مشوَّهة" خطّت عليها أقلامٌ كثيرة، حتى باتت خطوطًا متقاطعة، لا تُفيد في شيء، سوى أن تمزيقَها بات ضرورة أمام تركيا لإنقاذ نفسها، ومفيدًا أكثر للقاهرة في ملفاتها الإقليمية المتقاطعة.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 2