محمود غريب يكتب: الغنوشي وإخوان تونس.. أيُّ الديمقراطية أولى؟

2021.10.04 - 10:50
Facebook Share
طباعة

"قيس سعيد انقلب على الشرعية" زعم يرتقي به الغنوشي إلى مستوى الحقيقة السياسية التي سار يبثها بين أنصاره، هؤلاء الذين لم ينخدعوا في أنَّ محدثهم هو نفسه المنقلب عليهم جميعًا حين قرر ذات صباح أن يعزل كافة أعضاء مكتب حركة النهضة التنفيذي دون أن يسأله أحد.
حديث الغنوشي المتهكِّم على إجراءات قيس سعيد لا يُصادم فقط منطقًا حسابيًا بسيطًا، لمقارنة أفعاله وقبضته على تنظيم الإخوان منذ خمسين عامًا؛ طاردًا المنافسين وملجمًا أي صوت دونه، وإنما تُصادم أيضًا توجهًا داخل حركته بأنّ ما حدث هو فشل ذريع للجماعة في العملية السياسية، حين عجزت عن إحداث تغيير سياسي واقتصادي حقيقي، بل جعلت البرلمان ساحة يومية لشجار مع الخصوم بدلاً من احتوائهم، كما تطور الأمر إلى انتهاكات وتعديات بالضرب بحق الخصوم، أدانته قواعد الحركة نفسها، فضلاً عن المعارضين.
يُقدِّم الغنوشي بحديثه عن الدكتاتورية والانقلاب نموذجًا مثاليًا لحالة إنكار مستعصية يعيشها، حين يقدم عرائض من الاتهامات هو نفسه أول من ارتكبها، بتغييب الديمقراطية المزعومة وفق تصوره عن كل تفاصيل قيادته للحركة، للحد الذي جعله نموذجًا فريدًا لشخصية ترَأس تنظيمًا سياسيًا منذ نشأته حتى انتحاره سياسيًا، وما بينها سنوات طوال من التخبط، شهدت محاولات من أعضاء التنظيم لإزاحته عن مشهد القيادة من دون أن تنجح، حتى استسلمت للأمر الواقع؛ مقدمة منهجًا حركيًا لدى التنظيمات الراديكالية، وهو الذي يُفضّل أن يُداري عن جرحٍ في جسده بدلاً من شماتة الخصوم، باعتبار أنَّ شجار الأسرة الإسلامية لا يجب أن يظهر للعامة.
الغنوشي الذي دأب منذ حل البرلمان على الجهر باتهامات للرئيس سعيد لم يستطع إثباتها حتى الآن، للحد الذي جعله عاجزًا عن حشد أنصاره للتظاهر في الشارع، في محاولة لاستلهام تجربة إخوانه في مصر عام 2013؛ حين حوَّلت الميدان إلى ساحة لمواجهة حشود جماهيرية رافضة لحكم الجماعة.
مساعي الغنوشي لقلب الحقيقة، حقيقةِ أن حركته فشلت في انتهاز لحظة الحكم، تهاوت جميعها أمام اعتراف غير متوقع لقواعد الحركة بالولايات التونسية، التي جاء ردها بالاستقالة الجماعية، كون المشكلة ليست في قيس سعيد بقدر ما هي فشل قادة الحركة في استغلال الفرصة التي أتتهم في لحظة غير مكررة.
لكن بضعة من الملتفين حول الغنوشي بدافع المصلحة أو لمآرب أخرى يرون فيه ضحية كيد الرئيس ويدفعونه نحو مواصلة سياسة الإقصاء التنظيمي داخل الحركة، وهو ما ترجمه رد الفعل الصامت حيال الاستقالات، إذ كان أجدر بالغنوشي ومن حوله أن يقدموا استقالاتهم من قيادة الحركة نزولاً على تململ القواعد؛ ذلك أن أبسط قواعد العمل السياسي أن الاستقالة من التنظيم هي احتجاج على سياسته العامة، أو بالأحرى احتجاج على منهج القيادة.
ليس معروفًا مَنْ صوَّر للغنوشي فكرة الإنكار المتعصية على الفهم، بعد أن اعترف أول الأمر بالحاجة للمراجعة وأن الحركة أخطأت في فهم الشارع ومتطلباته، لكن الأكيد أن توجهًا من هذا القبيل مدفوع بحديث النفس الأمَّارة بالحكم ولاية بعد ولاية، ورفضًا نفسيًا أو عدم تصور نفسه يوما بدون كرسي حكم الحركة؛ كان بمقدوره أن يلتقط مستقبل حركته من الهاوية لكنه لا يزال مصرًا على دفعها دفعًا نحو القاع.
من الضروري وضع التطورات الأخيرة في سياق زمني يعود لأكثر من عامين، تشهد الحركة خلالها حالة تململ شديد على مستوى القيادة، بسبب انفراد الغنوشي بالقول الفصل في التنظيم، ورفضه سماع الآخر، وهو الذي دفع بعدد كبير من قادة التنظيم لمطالبة الغنوشي بالاستقالة، وهي المطالبة التي استقبلها الأخير باعتبارها مداعبة، متجاهلاً مسبباتها أو تأثيراتها.
الحديث هنا ليس على استقالة 130 عضوًا مؤخرًا رغم ثقل أدوارهم داخل التنظيم، ولكن بالاستقالات السابقة التي شملت الأمين العام السابق للحركة زياد العذاري، المستقيل في نوفمبر 2019، وعبدالحميد الجلاصي ومحمد بن سالم وعبداللطيف المكي؛ وهؤلاء تحديدًا نكأوا الجراح، عندما اتهموا مجلس شورى الحركة بعدم القدرة على التعاطي مع المتغيرات السياسية التي تشهدها البلاد، وهي إشارة واضحة لسياسة الإقصاء التي اتبعتها الحركة مع الأطراف السياسية الأخرى.
وبينما كانت قادة الحركة يتهمون الرئيس قيس سعيد بالديكتاتورية، جاءت اتهامات مماثلة من أحد المنشقين لقيادة التنظيم، حين أرجع القيادي المستقيل من مكتب شورى النهضة، محمد النوري، استقالته إلى تصرفات رئيس المكتب عبدالكريم الهاروني، والذي قال إنه يهيمن على عملية صنع القرار وتجاهل وجهات نظر باقي الأعضاء.
لتقييم مستقبل حركة النهضة إزاء هذه التطورات، يجب التفرقة بين الجانب الأيديولوجي والآخر الحركي، على المستوى الأول فلن تحدث أية تغيرات جذرية أو ذات تأثير، ذلك أن المنهج والمنبع واحد وممتد، والانشقاق ليس مرتبطًا بالفكر والقناعات بل بتصرف الأفراد واستئثار فئة محدودة بقيادة الحركة على كافة المستويات، سواء الداخلية على مستوى التنظيم أو خارجية غير تأطير علاقته بالآخرين وتجربة الحكم الفاشلة؛ وبالتالي فإنَّ الخروج من البيت الواحد هو اختلاف حول مقاعد القيادة ليس أكثر، وهو ما يعني أن الفكر الأيديولوجي مستمر ومتنام أيضا لدى المنشقين.
أما المستوى الثاني- الحركي- فهو ما سيشهد تغيرات شكلية من خلال تدشين أجسام سياسية جديدة، على غرار التجربة المصرية، حين شكل القيادي المنشق عن جماعة الإخوان عبد المنعم أبو الفتوح حزبًا سياسيًا سماه "مصر القوية"، ما لبث أن جمع تحت لوائه كل المنشقين عن التنظيم الرافضين لسياسة الفئة الحاكمة في أمور الجماعة وقتها.
ومع مرور الوقت تكشَّف أمام المجتمع المصري أن حزب أبو الفتوح امتداد لحزب الجماعة الأم، بل إن منافسة أبو الفتوح نفسه لمرشح الإخوان وقتها محمد مرسي، يزيح الستار عن السبب الحقيقي وراء الانشقاق؛ وهو رغبة القيادي المنشق في خوض الانتخابات ممثلاً عن الجماعة، ولمَّا وجد رفضًا تنظيمًا من قيادة الجماعة غادرها للمنافسة بسياق مختلف.
وبالعودة للغنوشي نفسه وبرفقته التنظيم الأمّ، فإن الحالة لن تختلف كثيرًا عن مصير الجماعة في مصر، عبر التمسك بالعناد المُفضي إلى قرارات رافضة الاعتراف بالهزيمة السياسية التي بالمناسبة أمرًا طبيعيًا في سياق التنافس بين الكتل والأحزاب.
بيدْ أنّ الغنوشي الذي يدرك وقع الانشقاقات على تماسك التنظيم، يُمني النفس بفشل الآخرين؛ أعني الرئيس قيس سعيد، والمكونات السياسية الرافضة لحكم الجماعة، والتي تبدو أنها آخذة في الاستقرار، بعدما استقر الرئيس على الأكاديمية نجلاء بودن لتشكيل حكومة، من المتوقع أن تعكس المنهج نفسه الذي استند إليه قيس سعيد في اختبار رئيستها، ذات الخلفية الأكاديمية المستقلة التي لا تنتمي لخلفية حزبية.
الحكومة الجديدة التي تعكف "بودن" على اختبار أعضائها تعتبر الورقة الرابحة للرئيس التونسي والتي استشرف الغنوشي نجاحها، من خلال الإعلان عن رفضها منذ الساعات الأولى؛ باعتبارها قاطرة لإنهاء التقاطب السياسي الحادث، والذي تعوّل عليه الجماعة لإفشال الإجراءات الاستثنائية التي قررها الرئيس مؤخرًا.
على أية حال، وأيًّا كان المصير الذي ينتظرها، فإن التطورات الأخيرة التي أثببت ضعفًا في الأداء السياسي للحركة، تجعل المحددات المستقبلية متنوعة بين محاولة التماسك واستعادة النفس، وبين القعود إلى النهاية، بعد تلقي الجماعة هزّ عنيفة على مستوى قواعدها التنظيمية.
من يخرج الغنوشي من ورطته؟ ربما يفكر رئيس حركة النهضة الآن في هذا السؤال كثيرًا، يلتفت حوله فيجد المحكومين (قواعد الحركة) وقد انفضّوا بتململ عنه، وهو يرى في أعينهم حديثًا صامتًا يقولون: لعله يقرُّ بالهزيمة لعله؛ فالديمقراطية ليست الترشح للانتخابات وما يعادلها، بل هي مؤسسات يحكمها رباط بعدم الجور.. تلك مناسبة في التثقيف السياسي بأن الخروج من البيت بالتي هي أسوأ ليس سوى عناد وإنكار، وأنّ الديمقراطية ثياب واسع على الأهداف الضيقة للتنظيمات والجماعات.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10