كتب أحمد نظيف: هل يتوصل الرئيس سعيد إلى توافق مع النقابات حول المرحلة الإنتقالية؟

2021.10.06 - 10:55
Facebook Share
طباعة

  أعلن الإتحاد العام التونسي للشغل، أنه يعتبر ما حدث في 25 يوليو "فرصة تاريخية للقطع مع عشرية غلب عليها الفشل والتعثّر وسادتها الفوضى والفساد وانتشر فيها الإرهاب"، وذلك في أول تعليق حول الأوامر الرئاسية الجديدة التي أصدرها الرئيس قيس سعيد حول المرحلة القادمة. لكن المنظمة النقابية الأكبر في تونس، طالبت في بيان لمكتبها التنفيذي "بالتسريع بتشكيل حكومة بكامل الصلاحيات قادرة على مجابهة تعقيدات وضع زادته الحالة الاستثنائية تعقيدا وتأزّما".


ونبهت إلى خلوّ الأمر الرئاسي من أيّ إجراءات أو تدابير للتنفيذ ومن أيّ تسقيف زمني للحالة الاستثنائية التي أعلنها منذ 25 يوليو 2021، كما لفضت "استمرار التدابير الاستثنائية وتحويلها حالة مؤبّدة". وكان الرئيس التونسي، قد أصدر في 22 سبتمبر الحالي، أمرا رئاسيا يتعلق بتدابير استثنائية، وأبرزها مواصلة تعليق جميع اختصاصات مجلس نواب الشعب. وشمل الأمر الرئاسي مواصلة تعليق جميع اختصاصات مجلس نواب الشعب، ومواصلة رفع الحصانة البرلمانية عن جميع أعضائه، ووضع حد لكافة المنح والامتيازات المسندة لرئيس مجلس نواب الشعب وأعضائه. 

كما شمل التدابير الخاصة بممارسة السلطة التشريعية، والتدابير الخاصة بممارسة السلطة التنفيذية. إلى جانب "مواصلة العمل بتوطئة الدستور وبالبابين الأول والثاني منه، وبجميع الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع هذه التدابير الاستثنائية، إضافة إلى إلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين". وطالب إتحاد الشغل بعدم "حصر الإصلاحات في الشكلانيات وفي إعادة هيكلة النظام السياسي والانتخابي فقط بل يجب أن تشمل جميع المنظومات التي ترهّلت وخُرّبت بشكل منهجي على امتداد عقود."

مشيراً إلى أن تعديل الدستور والقانون الانتخابي "شأنا يخصّ جميع مكوّنات المجتمع من هياكل الدّولة ومنظّمات وجمعيات وأحزاب وشخصيات وطنية" مشدداً على أنّ "لا حلّ للخروج من الأزمة الراهنة غير التشاور والتشارك والحوار على قاعدة المبادئ الوطنية وسيادة تونس وخدمة شعبها والتجرّد من المصالح الذاتية والفئوية". وكان الأمر الرئاسي قد نص على "تولي رئيس الجمهورية إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية، بالاستعانة بلجنة". كما طالب بإجراءات "واضحة لوضع حدّ للإفلات من العقاب في جرائم الفساد والإرهاب والتسفير وخرق القانون وعدم تفعيل تقرير محكمة المحاسبات بخصوص الجرائم الانتخابية وتقرير التفقدية العامّة لوزارة العدل بخصوص الانتهاكات في مجال القضاء وقضايا الإرهاب."

على الرغم من نبرة المعارضة التي بدت عليها لهجة البيان لكن يمكن اعتباره مفيدا للرئيس قيس سعيّد أكثر مما يصب في خراج خصومه. فقد حفل بالتنبيهات والإشارة إلى المخاطر المحتملة من تجميع سعيد كل السلطات، لم يعلن عدم اعترافه أو تغيير موقفه من إجراءات 25 يوليو الماضي، ما يعني أن الاتحاد مازال مساندا لإجراءات الرئيس في المبدأ، لكنه عبر عن تحفظاته من المسار.

والواضح أن الاتحاد حرص في موقفه الأخير على التمايز الواضح مع مواقف حركة النهضة، وهو تمايز ضروري في هذه المرحلة الدقيقة. واظب إسلاميو تونس على اعتبار حدث 25 يوليو إنقلابا، رغم ما يحيط بالوصف من تضليل سياسي، وأطنبوا في ادعاء دفاعهم عن الدستور والشرعية والديمقراطية والحريات، وهو دفاع فقد كل وجاهته منذ فترة، لدى فئات واسعة من الشعب التونسي. هنا كان اتحاد الشغل دقيقا في بيانه: حرص على أن يوجه نقده لسياسة الرئيس، دون أن يشاطر النهضة مواقفها.

في هذه المرحلة السياسية الدقيقة تسود قناعة راسخة لدى قسم كبير من الفاعلين السياسيين، مفادها أن الرئيس واتحاد الشغل يتقاسمان حدا أدنى مشتركا قوامه الاتفاق في تشخيص علل المرحلة السابقة ودواعيها (، والاشتراك في التركيز على الملفات الاقتصادية والاجتماعية المضنية. مشترك سياسي أدنى لن يسمح لبيان الاتحاد الأخير بأن يقطع خيوط الاتصال الكثيرة مع قصر قرطاج ، من المفيد الإشارة هنا إلى أن الاحزاب السياسية التي تساند الرئيس سعيد تتوفر على تمثيلية مهمة في هياكل الاتحاد (حركة الشعب والتيار الشعبي وحزب الوطنيون الديمقراطيون الموحد). ومن مهم التذكير أيضا بأن قيادة الاتحاد لن تسمح باستغلال بيانه من قبل الأطراف الإسلامية التي هللت للبيان الأخير واعتبرته اصطفافا من المنظمة النقابية جنب خصوم سعيّد".

الكلمة المفتاح في بيان الاتحاد وهي التي ستفرج قريبا عن تقاطعات كثيرة بين سعيد والقيادة النقابية هي تشديد البيان على أن لا حلّ للخروج من الأزمة غير التشاور والتشارك والحوار. وهي قضايا ومضامين تقع في منطقة الرؤى المشتركة بين قيس سعيد واتحاد الشغل، وهي التي ستساهم في استئناف الحوار قريبا بين طرفين، سواء بشكل ثنائي، أو بشكل أوسع عبر تشريك منظمات وأحزاب أخرى. فاتحاد الشغل لم يلعب الدور الذي انتظرته منه حركة النهضة، وهو أن يخوض معاركها نيابة عنها، و كان دقيقا في موقفه: محذرا من مخاطر المرحلة القادمة، ومساندا لإجراءات 25 يوليو في الآن نفسه، خاصة في ظل امكانية وجود ضغوطات أمريكية لإعادة الإسلاميين إلى المشهد..

وفي هذا السياق دعت وزارة الخارجية الأمريكية، الرئيس قيس سعيد إلى صياغة خطة ذات جدول زمني واضح لعملية إصلاح شاملة للجميع تضمّ المجتمع المدني والأصوات السياسية المتنوعة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، في إحاطة صحفية:" نشارك الشعب التونسي هدفه المتمثل في تشكيل حكومة ديمقراطية تستجيب لاحتياجات البلاد وهي تجابه أزمات اقتصادية وصحية. ومما يبعث على قلقنا أن الإجراءات الانتقالية مستمرة دونما نهاية واضحة." وأضاف:"على الرئيس قيس سعيد أن يعين رئيسا للوزراء لتشكيل حكومة قادرة على تلبية تلك الاحتياجات الملحة. وندعو كما يدعو عامة التونسيين الرئيس وفيما يتعلق بالإجراءات التي أدت إلى ما هي عليه الأمور الآن، نرى أن العمل الأساسي المتمثل في دعم تقدم تونس على مسارها الديمقراطي هو أهم من التباحث في تسمية لهذه الأحداث، وهذا ما نركز عليه".
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10