محمود غريب يكتب: الكاظمي الذي وضع عَرَبة العراق على طريق العودة

2021.10.13 - 10:05
Facebook Share
طباعة

 

تسلّم رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مقاليد السلطة التنفيذية في مايو 2020، وحبال الأزمات يُمسِكُ بعضها برقابِ بعض، ما ينفك يُعالج أزمة حتى تنفجر أخرى في الجهة المقابلة، فعمد إلى مواجهة الجهات كافة في آنٍ معًا. تلك قدرة نادرة لرجل هبط لتوهِ على مجتمع يتفق فقط على ألا يتفق.
جاءت حكومة الكاظمي استجابة لمعطيات سياسة، هروبًا من مصير الفشل المتكرر بعد خلافات عميقة ضربت أواصر النخبة والمجتمع وأحدثت شقاقًا بين مكوناته، ربما وافق مَنْ وافق على تمرير الحكومة لعلمه المسبق بأنَّ عمرها الافتراضي لن يزيد على سابقيها، عندما وقفت الأزمات كتروسٍ أمام عربتهم؛ وأُجبروا على الاستقالة أو الإقالة؛ بحكم أن الدفع للاستقالة إقالة.
خيَّب الكاظمي آمالاً سلبية، وسار مسافة طويلة في الطريق؛ طريقِ الإصلاح، ذلك المنهج الذي أدركه جيدًا منذ اليوم الأول، وهو إزالة الأشواك والمتاريس من طريقه بدلاً من السير فوقها؛ كما فعل سابقوه.
كانت المتاريس كثيرة ومتشعبة ومكثفة ومتزامنة؛ وهو تحدٍ يصعب على أكثر المتفائل الإقدام عليه؛ تظاهرات في الشارع، وغليان ضد الفساد وحيتانه، معابر حدودية خارج سيطرة الدولة، ميليشيات تجاهر بتبعيتها للخارج، أموال منهوبة، عراقٌ تائه لا يعرف أين الطريق ولا متى الوصول.
بهذا الوضع، فإن حكومة الكاظمي الجديدة ما كان لأحد أن يلومها لو نجحت طوال مدتها في إزالة واحد فقط من هذه المتاريس، وتخليص البلد من ملف واحد مرهق ومثبط للجميع؛ فماذا لو قطعت أشواطًا كبيرة في جميعها معا؟
كانت تلك المفاجأة التي أربكت الخصوم والمتربصين، وهم يرون الرجل يقتحم بجرأة ملف الميليشيات، وتقتحم القوات العراقية النظامية أوكار المليشيات وتهدد الخارجين على القانون، وتقبض على عصابات اغتيال النشطاء؛ ثم في الوقت نفسه تستعيد السيطرة على المعابر الحدودية؛ وتجري اتفاقيات تنموية مع دول خارجية؛ وتتوسط في صفقات إقليمية ضخمة لتهدئة الأوضاع في المنطقة، ثم يلتفت الكاظمي إلى الداخل ويُجري إصلاحات ويُهيِّئ البلد لانتخابات مصيرية.
في فبراير الماضي، بدأ الكاظمي توجيه ضربات حاسمة إلى الميليشيات المسؤولة عن اغتيال النشطاء، عندما اعتقلت قوات الأمن ما عُرفت بـ"عصابة الموت"، المسؤولة عن اغتيال صحفيين ونشطاء مناوئين لطهران. ومثّل اعتقال تلك العصابة رسالة تحذير شديدة اللهجة لبقية الخارجين على القانون، وبعدها شهدت العراق تراجعًا لظاهرة الاغتيال.
مع الاستراتيجية الانسحابية الجديدة للإدارة الأمريكية والتي بمقتضاها ستغادر القوات الأمريكية العراق نهائيًا بنهاية العام الجاري، بالتزامن مع التخفيف حاليا من وجودها، وجد الكاظمي في قواته قدرة على ضبط الأمن دون الحاجة لمساعدة أمريكية أو غربية، وهو بهذا المعنى يحوّل العلاقة مع الأمريكان من شقها العسكري إلى التنموي، وفق ما قال عشية الإعلان عن مغادرة القوات الأمريكية: "اليوم علاقتنا أضحت أقوى من أي وقت مضى. وسوف يمتد التعاون بيننا على مستوى الاقتصاد، والبيئة، والصحة، والتعليم، والثقافة وغيرها الكثير من المجالات".
خطوات الكاظمي مربكة لكل الجالسين على مقاعد المتفرجين، وهم يحسبون لحظة الانقضاض على العراق؛ فإذا بهم يجدون عراقًا جديدًا وقد استلم طريق العودة لدوره الريادي بجرأة؛ فيُصابون بإحباط، لكنهم مجبرون على مسايرته؛ أولاً حفظاً للنقاط جماهيرية باعتبارهم غير معرقلين للعملية السياسية، وثانيًا لعل سكين ذبح الفاسدين يتجاوزهم؛ وهم يتحسسون رؤسهم؛ ويقولون نحن شركاء في الوطن والتنمية.
جاءت الحكومة بهدف تغيير في الجهاز التنفيذي الأعلى للدولة؛ استدراكًا لضعف أدائه الذي مسّ كل مناطق الضعف، وترك من سبقوه يتخبطون لا يدرون من أين يبدأون، كان المطلوب من الحكومة الجديدة إبان توليها السلطة أن تُسيِّر أمور الناس؛ لكنها تجاوزت ذلك الهدف لتصفية ملفات خارجية أيضًا.
الجديد في الحكومة الجديدة أنها غادرت عن اقتناع وجرأة فكرة الفترة الانتقالية وتعاملت مع عراقٍ جديد أكثر استقرارًا وهدوءًا وسيرًا إلى التنمية؛ فانخرطت في مشروعات طويلة الأمد؛ لعل واحدة منها الخروج من رحمة إيران في ملف الكهرباء التي تخطط لاستيرادها من الجهة الأخرى، الأردن ومصر، وفق خطة اقتصادية طويلة سُميَّت "الشام الجديد"؛ ستخرج العراق عن طريقها من الركون إلى طاعة طهران التي تضع ملف الإمدادات على الطاولة المقابلة لسياستها التوسعية في العراق عبر أذرعها.
حدد الكاظمي خمسة ملفات أساسية منذ اليوم الأول لحكومته قال إنها ستكون محور عمله؛ ورآها البعض شعارات ومصطلحات مُعلَّبة من جنس "التعاون المشترك" التي تملأ بيانات القادة والسياسيين؛ قبل أن يكتشفوا أنَّ لها ترجمةً على أرض الواقع: إصلاح الاقتصاد، واستكمال السلام وتعزيزه، وتحقيق العدالة، وإصلاح مؤسسات الحكم مدنية وعسكرية، وإقامة علاقات خارجية متوازنة.. تلك هي القضايا الخمسة التي اقتحمها الكاظمي بشكل متزامن.
ربما لا يعني المواطن العراقي من بين تلك الأهداف إلا أن يرى أداء اقتصاديًا يُغيِّر واقعًا بات مشفقًا على أعداء العراق قبل أهله. الواقع الاقتصادي لا يقدِّم دعمًا لهذه الأهداف؛ فميزانية الدولة غير مسعفة وخزائن الدولة خاوية من العملات الصعبة.
الحكومات السابقة كانت تتشوف للمنح والمساعدات الخارجية بأكثر مما تنظر إلى ما في يديها من فرص؛ وذلك منطق مغاير لسياسات الكاظمي التي ارتكزت في أساسها على استغلال المتاح، والبناء عليه وتطويره؛ ليكون للعراق مصدر عيش من جيبه.
كان الكاظمي واضحًا في تقييمه للفترتين السابقة والحالية وإجراءات المستقبل، بقوله إن "هناك إيجابيات عديدة في عمل الحكومة، وهناك بعض النواقص"، لكنه لمس مواضع القوة بالذهاب إلى الانتخابات المبكرة، وتوفير الأجواء لها"، بالإضافة إلى اتخاذ "إجراءات جريئة لتصحيح الأوضاع، ووضع العراق على الخط الصحيح"، هكذا كان يتحدث عشية التحضيرات للانتخابات التي لم ينسى خلالها تحذير "البعض" من أي تجاوزات فثمة لجان لمراقبة تجاوزات المرشحين والأحزاب، ستحيل المخالفات للقضاء، ومفوضية الانتخابات.
النجاح في الذهاب لأول انتخابات مبكرة منذ 2003، يعني شيئين في آن معاً، الأول هو القدرة المركزية للحكومة على تهيئة الأجواء لاقتراع سيكون مصيرياً في الحالة السياسية للعراق، والثاني هو ذلك التنازل النادر للمكونات، خاصة الحركة الاحتجاحية، والتي ما كان لها أن تظهر هذا التنازل لولا أنها تجد الحكومة والسلطة التنفيذية في العموم تسير بالبلد نحو الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وهو يتحدث عن إصلاحات في الملف الحقوقي، الذي جاءت آخر خطواته بالعفو عن الأحداث والنساء، باستثناء قضايا الإرهاب، والفساد، واستغلال المال العام، ذكّر الكاظمي مستمعيه بنجاح حكومته في "تجاوز العديد من الأزمات، منها مالية، وصحية، واقتصادية، وأمنية، ومحاولات جرّ العراق لصراع المحاور".
أما الأموال المهربة والمقدرة بنحو 500 مليار دولار، وضع الكاظمي خارطة طريق لاستعادتها، وجرى تنظيم مؤتمر دولي في سبتمبر الماضي لاسترداد الأموال المهربة إلى الخارج، بحضور وزراء العدل ورؤساء مجالس القضاء والأجهزة الرقابية في العديد من الدول العربية، وهو المؤتمر الذي انتهى إلى 18 توصية تتضمن عقد اتفاقيات ثنائية بين الدول، وإصدار بغداد أدلة استرشادية تساعد على استعادة أمواله.
وفي 11 يوليو 2020، أطلق الكاظمي حملة أمنية للسيطرة على المنافذ الحدودية بدأت من منفذ مندلي في محافظة ديالى، وكان برفقته قادة أبرز الوحدات العسكرية والأمنية. ورغم أن الدوائر الحكومية تقول إن حملة السيطرة على المعابر الحدودية التي ظلت لسنوات خاضعة للميليشيات والجماعات الشيعية، تستهدف توفير 5 مليارات دولار سنوياً، كانت تذهب إلى جيوب الفاسدين والعصابات، لكن الأرقام الحقيقة تفوق ذلك بكثير باعتبار أن أذونات الاستيراد التي وفَّرها البنك المركزي العراقي للتجار والمستوردين، تعكس عائدات جمركية حقيقية تتراوح بين 6 مليارات و12 مليار دولار سنوياً، لم يدخل خزينة الدولة سوى مليار دولار فقط سنويًا، وتلك ثروة طائلة كانت تذهب مع رياح الفساد واللا أمن.
العراق الذي يضم حوالي 40 مليون مستهلك، بدون قطاع صناعي قوي، تُمثِّل المعابر الحدودية واحدةً من أخطر ملفاته، باعتبار أن الاستيراد من الخارج هو المتنفس الوحيد للاستهلاك المحلي؛ لذلك لم تكن خطة الكاظمي فقط استعادة السيطرة على المعابر الخاضعة للميليشيات، بل أيضًا فتح معابر جديدة، ففي نوفمبر 2020، أُعيد فتح معبر عرعر بين العراق والسعودية بعد إغلاقٍ دام 30 عامًا.
اللافت في قضية المعابر، ليست فقط الإيرادات الجمركية الضائعة على خزينة الدولة، ولكن المناطق الحدودية ستستفيد قطعًا بشكل كبير، على المستوى التنموي والقطاع الخدمي، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تقليل عمليات النزوح المقدرة بالآلاف سنويًا من المناطق الحدودية إلى المراكز الحضرية.
الفرضيات السابقة وغيرها تقول إن الكاظمي بات المسؤول العراقي الوحيد في حقبة ما بعد صدام حسين الذي عرف من أين تعود العراق إلى مكانتها، وهو بذلك قد وضع عَرَبة العراق على طريق العودة لمكانتها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 5