عمرو فاروق يكتب: موسم سقوط ابناء حسن البنا

2021.10.15 - 11:47
Facebook Share
طباعة

 كاتب مصري، وباحث في شؤون الجماعات الأصولية

شهدت جماعة الإخوان خلال الساعات الماضية زلزالًا هز أركان كيانها التنظيمي، عقب  استقبال قواعدها، مجموعة من القرارات والبيانات الصادمة والعدائية التي تمثل توصيفًا دقيقًا لحالة السجال الدائر بين "مكتب لندن" بقيادة القائم بأعمال المرشد العام، إبراهيم منير، وممثلين عن جبهة "مكتب الإخوان في تركيا"، التي يتزعمها محمود حسين، الأمين العام السابق للجماعة. 

في ظل الضربات المتلاحقة التي تلقتها جماعة الإخوان سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، تمثل الخلافات والصراعات الأداة الأكثر فاعلية في تفكيك وتصفية بنيان الجسد التنظيمي، وتحوله لكيان هلامي فاقد للتأثير المجتمعي، وفارغ من المضمون الفكري، وعاجز عن تطبيق استراتيجيات الاستقطاب والتجنيد، التي اعتمد عليها في تثمين هيكله الداخلي السري منذ تأسيسه في نهاية عشرينات القرن الماضي.

تاريخ الإخوان مليء بالخلافات الداخلية والصراعات حول السلطة ابتداًء من حسن البنا وأحمد السكري، ثم حسن الهضيبي ومحمد عاكف والشيخ محمد الغزالي، مرورًا بمرحلة محمد حامد أبو النصر ومصطفى مشهو، وأزمة "ببيعة المقابر"، انتهاء بخلافات عصام العريان ومحمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح. 

الفضائح المالية والأخلاقية التي تكشفت من داخل جدران المكون الإخواني المغلف بالحيطة والحذر، كفيلة بكتابة نهاية دراماتيكية لجماعة منحت الحقوق الحصرية للتفتيش في ضمائر الأخرين والحكم على إيمانهم، من قبيل أن قياداتها حراسًا للعقيدة وحماة للشريعة التي تاجروا بها وتغافلوا مقاصدها.  

ببراجماتية شديدة، تيقّن إبراهيم منير، (تلميذ سيد قطب)، أنه واقعيًا المهيمن الأقوى على سلطة الجماعة ومفاصلها، والأحق بتمرير رؤيته وسياساته، مهمشًا منافسيه من خلال إصدار قرارات فاعلة تحكم سطوته على مراكز القيادة والقطاعات التنفيذية، وتهدف لصناعة حالة تتسق مع الديكتاتورية التنظيمية التي يمثلها "المرشد الأكبر"

اشتعلت المعركة بين الطرفين عقب قيام جبهة "محمود حسين"، بإصدار تعميم للقواعد التنظيمية يفيد بسحب الثقة من القائم بأعمال المرشد، واحتمالية طرح شخصية بديلة تتولى زمام المشهد الإخواني في الخارج، بناءً على قرارات صادرة من مجلس شورى التنظيم بعد عقده لجلسة طارئة، أستقر المشاركون فيها بنسبة 85%  على الإطاحة بإبراهيم منير من منصبه.

سبق إعلان "بيان الإطاحة" بإبراهيم منير، السيطرة الكاملة على مخلتف المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تعبر عن توجهات الجماعة وقياداتها، لمنع جبهة "مكتب لندن"، من تكذيب البيان، ما دفع إبراهيم منير للخروج عبر منصة تابعة للتنظيم الدولي، لنفي مضامين البيان، والتأكيد على عدم تبعية تلك العناصر للصف الإخوان، وتخطيطهم   للإنقلاب على القيادة الشرعية للجماعة بمساندة مجموعة من قسم "الأخوات".

مشاهد الصراع بين جبهة "مكتب لندن"، وجبهة "محمود حسين"، مرت بالكثير من المحططات منذ وصول إبراهيم منير لمنصب القائم بأعمال المرشد العام، عقب القبض على الرجل الحديدي، محمود عزت في أغسطس 2020، بسبب  الهيمنة على الملفات المالية والإدارية، والإنفراد بسلطة القرار داخل القبو التنظيمي.

اعتبر محمود حسين ومجموعته المتقوقعة في عمق اسطنبول، تحت مسمى"المكتب الإداري للإخوان في تركيا"، أنها تمثل إمتدادًا حقيقيًا لـ"مكتب الإرشاد"، وأنها الجهة الوحيدة المنوطة بمتابعة شوؤن الإخوان المصريين في الخارج، بجانب قصر الدور التنظيمي لـ"مكتب لندن"، على ملفات التنظيم الدولي، والتأكيد على أن منصب القائم بأعمال المرشد، "وجهة شرفية".

أدرك إبراهيم منير منذ اللحظات الأولى، أن جبهة محمود حسين، حجر عثر أمام طموحه في  السيطرة المطلقة على الملفات المالية والإستثمارية، ومن ثم اتخذ قراراته بإلغاء الفاعلية الرمزية لمكتب الإرشاد في القاهرة، واستبداله بـ"الهيئة العليا"، وإلغاء الأمانة العامة، وإعادة تموضع مركز القيادة التنظيمية من العمق القاهرة إلى لندن، التي أصبحت "العاصمة الأولى"، بعد تراجع  الجماعة وتفككها في المنطقة العربية عامةً. 

إلى جانب قيامه بتأجيل انتخابات مجلس الشورى العام  6 أشهر كاملة، وحل مكتب الإخوان في تركيا وإجراء انتخابات جديدة، واضعاً شروطاً ترتكز على عدم اختيار أو ترشح العناصر السابقة، وألا يزيد عمر المرشحين الجدد عن 45 عاماً، في إطار ضربة استباقية للقضاء على خصومه الذين أعاقوا تنفيذ سياساته، واستبدالهم بعناصر قادمة من الصفوف الخلفية تدين له بالولاء المطلق، ما يمنحه الانفراد بصناعة القرار الداخلي.

 قرارات "مكتب لندن"، أزعجت عدد من قيادات الجماعة التي سعت لتعبئة القواعد التنظيمية ضد إبراهيم منير، بجانب تقديم طعون ضد نتائج الإنتخابات التي أطاحت بكل القيادات المحسوبة على محمود حسين بشكل نهائي، فضلًا عن تشكيل لجنة بمعرفة محيي الدين الزايط، للبت في مخالفات قيادات الإخوان  بتركيا،سواء الإدارية أو المالية، مستشهدة بكل من محمد البحيري، وعبد الخالق الشريف، ورجب البنا، ومصطفى المغير، ومدحت الحداد، والتي أصدرت تقريرها النهاية بتبرأتهم.

التقرير الأخير للجنة التحقيقات كان بمثابة بداية التخطيط للإنقلاب على إبراهيم منير،  من خلال رفض قيادات مكتب تركيا التنازل عن منصابهم، وتسليم الملفات المتعلقة برابطة الإخوان في الخارج، بجانب رفضهم الإعتراف بالقيادات الجديدة المنتخبة.

لم يتردد إبراهيم منير في الرد على تلك الإجراءات بالنيل من خصومه وتجميد عضوية  (6)  من قيادات الجماعة وإحالتهم للتحقيق، وشملت القائمة؛ محمود حسين الأمين العام السابق، وعضو مكتب الإرشاد، ومحمد عبد الوهاب مسؤول رابطة الإخوان المصريين بالخارج، وهمام علي يوسف عضو مجلس الشورى العام ومسؤول مكتب الإخوان في تركيا، ومدحت الحداد عضو مجلس الشورى العام، وممدوح مبروك عضو مجلس الشورى العام، ورجب البنا عضو مجلس الشورى العام.

في تلك اللحظات كانت جبهة محمود حسين، تستعد للإعلان عن قرار عزل إبراهيم منير من منصبه، عقب دعوتها لمجلس شورى التنظيم للإنعقاد، وطرح شخصية بديلة تقود زمام الجماعة، بالمخالفة للائحة الداخلية التي تقصر الدعوة على المرشد أو نائبه، بجانب أن "مجلس الشورى العام" يتكون من 118 عضوًا،لم يتبق منهم سوى 23 عضوًا فقط، بعد إيداع عدد منهم في السجون، ووفاة أخرين، ما يترتب عليه عدم صحة القرارات الصادرة لعدم اكتمال النصاب القانوني.

قرارات جبهة محمود حسين تمثل محاولة للتغطية على الإتهامات الموجهة إليهم بالإختلاسات المالية والمخالفات الإدارية، والتي كشفها من قبل القيادي الإخواني أمير بسام، في تسريبات صوتية، فضلًا عن محاولة تحقيق المزيد من المكاسب عن طريق صناعة حالة تنظيمية مضادة لجبهة منير،  واتخاذ قرارات مناوئة لتوجهاتها، سعيا في الجلوس على مائدة التفاوض في حال تدخل الوسطاء.

في إطار الحالة الجدالية القائمة بين قيادات الإخوان، تلقى إبراهيم منبر تهيدا بالتصفية الجسدية في حال عدم الإستجابة والخضوع للمجموعة المناهضة لسياسياته، وفقًا لما نشرته قناة "العربية"، على موقعها، الأيام في أكتوبر الجاري، ووضع حراسة خاصة على محل إقامته في لندن. 

ثقافة الاغتيال والعمل المسلح ليست بدعة جديدة على جماعة الإخوان، لكنها عرف راسخ ومتبع مع كل من يختلف أو يعارض توجهاتهم، فليس مستبعدًا كتابة فصول النهاية لسيناريوهات الأزمات المشتعلة حاليًا بتخطيطهم لاغتيال إبراهيم منير،  مثلما فعلوا من قبل مع حسن البنا وسيد فايز، وعبد الرحمن السندي، ومحاولاتهم المتكررة مع الشيخ محمد الغزالي.

No photo description available.

May be an image of textMay be an image of text

 


Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 6