كتب محمد الانصاري: السلطوية في التراث السياسي الإسلامي

2021.10.16 - 08:25
Facebook Share
طباعة

 تكون التراث السياسي الإسلامي عبر عدة قرون من بعد ظهور الدولة الاموية التي كانت بمثابة الملك العضود و التي شكلت أول إنحراف في تاريخ الاسلام عن خط الخلافة الراشدة. و يحفل هذا التراث بعوامل الاستبداد و القسوة و الغلظة في مسار العلاقة العملية بين السلطان و الرعية من جهة و السلطان و الفقيه من جهة أخرى. غير أن الصورة قد لا تكون بهذه القتامة. فبين ثنايا هذا التراث الممتد قد تكمن بعض المباديء القليلة التي تصلح لأن يستمد منها بشيء من الاجتهاد بعض الافكار التي قد تكون مفيدة في عصرنا هذا الذي يتميز يسيادة الليبرالية و الديمقراطية . 


يقدم الفكر السياسي تعريفا للسلطوية بوصفها تتعلق بحكم شديد المركزية متمحور حول فرد متسلط يمارس سلطاته من خلال قرارات و سياسات تعسفية . و يفتقر المجتمع تحت حكم هذا الفرد لمنظومة متكاملة من الحقوق و الحريات. و بقراءة متأنية للتاريخ الإسلامي منذ انتهاء فترة الخلافة الراشدة نجد أن هذا التعريف قد شمل المنطقة الجغرافية الاسلامية بأكملها. 

و ظهرت سلسلة من الكتابات منذ العصور الوسطى الاسلامية تكرس هذا التسلط تحت مسمى أدب"  الأ حكام السلطانية." من أشهرها مؤلفات الماوردي و الجويني الشافعيان. و على الرغم من هذا التكريس المتزمت للسلطوية، لم  تغب قيمة العدالة و اهميتها عن اهتمام العلماء و الفقهاء حتى الذين اقتربوا من بلاط السلطان أو الخليفة . فلقد سئل الماوردي نفسه صاحب كتاب الاحكام السلطانية الذي نظر للاستبداد عن أيهما أنفع الشجاعة ام العدل ؛ فأجاب : إذا ساد العدل أغنى عن الشجاعة. و خلص ابن القيم الى أنه " أينما يكون العدل فثم شرع الله." و يخلص الكاتب الإسلامي جمال البنا أن جوهر النظرية السياسية الإسلامية هو العدل بينما تشكل القوة جوهر النظرية السياسية الغربية . و يتسائل المرء إذا كانت هذه هي المنزلة النظرية للعدل في الفكر الاسلامي ، فمن سرق العدل من التاريخ و الواقع الاسلاميين. الممارسة العملية و سيادة فقه التغلب و لا شك أديا لسيادة القيم التسلطية و تواري قيم العدل و المساواة في التطبيق. 

إذن يمكن القول أن قيمة العدل في التراث السياسي الاسلامي حاضرة نظريا غائبة عمليا . المطلوب الأن من المفكرين المهتمين بالتراث  السياسي الاسلامي هو محاولة تفعيل هذه القيمة فعليا في الواقع. و لا يمكن في هذا الصدد تجاهل إسهامات الفكر الغربي في موضوع العدالة و التي يمكن الإستفادة منها بشكل أو بأخر في محاولة للابتعاد عن الانكفاء غير الصحي على الذات. و تحاول نظريات ما بعد الحداثة التنقيب و التفعيل لقيمة العدالة من منظور التعددية الثقافية و الدينية و الإثنية. 

ثمة قيمة أخرى منطوية في ثنايا التراث السياسي الاسلامي و الذي يكاد أن ينفرد بها ألا وهي العلاقة بين الفقيه أو العالم من جهة و الحاكم من جهة. لقد أدرك الجسم الأعظم من العلماء خطورة الإتصال بالسلاطين منذ صدر الدولة الأموية (دولة الملك العضود). و تبلورت تبعا  لذلك ثلاثة مدارس فكرية. أول مدرسة ترى الجواز المطلق للتواجد في بلاط السلطان و الخدمة فيه. و مدرسة ترى عدم جواز الانخراط في بلاط السلطان الا لدرء مفسدة أو جلب مصلحة. أما المدرسة الأخيرة فترى عدم جواز الاتصال بالسلطان مطلقا. و قد أفاض في الحديث عن هذه المدارس الإمام السيوطي (1445 – 1505)  في كتابه " رفع الأساطين في حكم الإتصال بالسلاطين"

القيمة المركزية الثالثة التي توجد في ثنايا كتب السياسة الاسلامية في العصر الوسيط هي قيمة الشريعة . و الشريعة في أدق التعاريف تشمل الكتاب و السنة مع القياس و الاجتهاد. و مهما حاول كتاب السياسة في العصر الوسيط التنظير للاستيداد، لم يستطيعوا التنصل على المستوى النظري من مركزية الشريعة في الفكر السياسي الاسلامي. خلاصة الأمر أن هناك انحراف و اضح في التاريخ الاسلامي بعد الخلافة الراشدة فيما يخص النظرية و التطبيق مع تكريس بعض الكتابات للمارسة السلطوية.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8