محمود غريب يكتب: "فاتورة الدم".. أموال الإرهاب القطرية

2021.10.20 - 11:02
Facebook Share
طباعة

 
صنعت قطر بأموالها نفوذًا يفوق حجمها، حينما اعتمد على مسارين، الأول تمويل جماعات إرهابية تجاهر بالفكر "الجهادي" المتطرف، الثاني من سمتهم الدوحة "المعارضين" في المحيط العربي، وفي الحالتين تركت الدوحة المنطقة غارقة في دماء دفعت فاتورته من الخزينة القطرية.
المسار الأول المتمثل في تمويل جماعات الجهاد على غرار "القاعدة" و"داعش" وانضمت إليهما "طالبان"، هو الأكثر غموضًا من المسار الثاني الذي لم تجد الدوحة حرجًا في الإفصاح عنه، باعتبارها داعمة لـ"حركات التحرر" العربية. ومع بداية ما عرف بأحداث الربيع العربي، سيكون على قطر مسؤولية تمويل "المعارضين" في وصف الدوحة التي رأت في حركات التمرد فرصة لصناعة نفوذها، تُفتَّش في الأوراق فتجد جماعة الإخوان أحقّ بملء استمارة الدعم، فتُوزِّع عليها الأموال شرقًا وغربًا؛ تفتح أذرعها لاحتضان فرع الجماعة الخارج من مصر تحت وطأة رفض مجتمعي أفضى لتدخل الجيش في 2013؛ فتُسمِّي ما حدث انقلابًا عسكريًا.
أموال قطر كانت حاضرة وبقوة خلال السنوات العشر الأخيرة، تنظر الدوحة إلى ليبيا فتجد فوضى آخذة في التزايد فتقدم ملايين الدولارات لمن تصفهم بمعارضي النظام؛ وها هو محمود شمام المتحدث باسم المجلس الانتقالي آنذاك يؤسس في القاهرة منصة إعلامية كشفت وثائق مسربة لاحقًا أن تمويلها كان قطريًا، ولما كانت التسريبات غير قابلة للنكران خرج شمام للاعتراف: نعم تلقينا تمويلاً من الدوحة ولا ننكر ذلك؛ كان ذلك دعمًا للتحول الديمقراطي والانتفاضة الشعبية.
ما كان سريًّا في بعض المناطق بدا علنيًا في مناطق أخرى، بعضها تحت غطاء الجمعيات الخيرية، لاسيما ذات التوجه الديني المنخرطة في مجتمعات فقيرة؛ في محاولة لصناعة نفوذ على حساب الفقراء.
أما أصحاب العمائم الذين تضيق بهم أوطانهم وتتقاذفهم لا يريدهم أحد سيجدون في الدوحة مكان آمنا، من قتلة الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، الجماعة الإسلامية، إلى قادة الجماعة الليبية المقاتلة المنبثقة من رحم تنظيم القاعدة إلى طالبان، تعج الدوحة بكل ما هو إسلامييّ الهوى؛ توفر لهم إقامة آمنة ورواتب ووسائل إعلام يطلون عبرها إلى أنصارهم في المنطقة العربية.
كان لابد من صكّ مصطلحات جديدة لاستيعاب الطاقات الجديدة التي فجرتها الأموال القطرية، فكانت "المعارضة" وجمعيات رعاية المسلمين في المهجر واللاجئين مرادفات جاهزة لتحويل الأموال، لكن تقارير ولجان التفتيش عن غسيل الأموال وتمويل الإرهاب كشفت عن التفاف قطري حول قرارات المجتمع الدولي الساعية لمنع وصول الأموال إلى المتطرفين. الإرهاب في نظر الجماعات الإسلامية التي دعمتها قطر هو عينه الجهاد، لقد اكتشف "المجاهدون" أن مسرح المعركة أكبر من قُطرٍ عربي ضيق، فتنقّلوا حول العالم ومعهم تأمين طويل الأمد لعملياتهم ومخططاتهم.
من المحيط العربي إلى الأفريقي مرورًا بآسيا، وفرت الدوحة الدعم المادي للتنظيمات الإرهابية، بعضها بشكل سري والبعض الآخر علني تحت غطاء الجمعيات الخيرية، فيما لم يعد خفيًا الدعم المادي الكبير الذي وفرته الدوحة لحركة الشباب الصومالية، فإن حضورها في مالي ومنطقة الساحل والصحراء كان طاغيًا وهو ما كشفته وثيقة نشرها تقرير فرنسي، تتمثل في خطاب من وزير المالية القطري يوسف حسين كمال إلى مدير مكتب أمير قطر يحيطها علمًا بتسليم مبلغ المساعدة المالية العاجلة لـ"حركات المعارضة الإسلامية" في شمال مالي ومنطقة الساحل والصحراء، والبالغة ١٥ مليون دولار.
واحدة من الإحصائيات شديدة الأهمية، رصدها مركز أبحاث (مقره الإمارات) قبل عام، وتقدر حجم التمويل الذي قدمته قطر للتنظيمات الإرهابية خلال السنوات الثلاثة والعشرين الأخيرة، أي منذ تسلم الأمير السابق حمد بن خليفة الحكم في الدوحة، وصلت إلى 150 مليار دولار. ورغم ضخامة المبلغ الذي تحدثت الدراسة عن تفاصيل بنوده وتوزيعها على الجماعات بشكل جغرافي، لكنها تمثل 60% فقط من الدعم الذي تقدمه قطر للتنظيمات الإرهابية، لاسيما أن الدوحة قدمت خلال خمس سنوات فقط (بين عامي 2010 و2015) حوالي 65 مليار دولار للجماعات الإرهابية.
الوثائق تشير إلى تقديم الدوحة أكثر من 100 مليون دولار الجماعات الإرهابية في سيناء المصرية، و13 مليون دولار لجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، وحوالي 300 مليون دولار لجماعات متطرفة على علاقة بتنظيم القاعدة، فضلا عن 20 مليون دولار للتنظيم نفسه في شبه الجزيرة العربية، و80 مليون دولار لجماعة "أحرار الشام".
تقارير عديدة غربية وأوروبية رصدت الانخراط القطري في الأزمة السورية منذ يومها الأول، كما تتبعت التحقيقات الاستقصائية المراسلات بين سياسيين قطريين بارزين ومصرفين، تضمنت تحويل بمئات الملايين من الدولارات إلى "جبهة النصرة"، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، وهو التمويل الذي لم ينقطع خلال السنوات اللاحقة للحرب السورية لجمعات أخرى مرتبطة بالقاعدة.
هذه الأموال دفعتها قطر عن طيب خاطر، وتحت مزاعم واهية، لكنها أجبرت في مرات أخرى على دفع أموال نظير تحرير رهائن في قبضة الميليشيات والجماعات المتطرفة، بلغت في مجموعها 1.35 مليار دولار، وبذلك تكون الدوحة قد ساهمت بشكل رئيس في تأسيس البنية العسكرية الأساسية للجماعات المتطرفة، سواء بطريق الدعم المباشر أو غير المباشر.
لكن الإحصائية الأخرى التي نقلها المركز الدولي لدراسة التطرف (ICSR)، تشير إلى النوع الأول الذي تحدثنا عنه أول المقال، المتعلق بتمويلات لجماعة الإخوان المسلمين، تحت ستار الجمعيات الخيرية، لذلك تتبع المركز أن منظمة "قطر الخيرية" التي موّلت 138 مشروعًا في جميع أنحاء أوروبا، مرتبطة بجماعة الإخوان.
الأمر نفسه تتبعه صحفيان فرنسيان هما جورج مالبرونو "من صحيفة لو فيغارو"، وكريستيان شينو "من إذاعة فرانس أنتير"، لكشف أسرار الدعم القطري للتنظيمات المتطرفة، ثم قاما بجمع الأدلة التي توصلا إليها في كتاب حمل عنوان "أوراق قطر"، والذي تضمن وثائق رسمية وتحويلات بنكية باسم مؤسسة قطر الخيرية للجماعات المتطرفة في أوروبا.
التحرك القطري في أوروبا يأتي تحت ستار دعم المراكز الدينية وهي جمعيات تابعة للتنظيم الدولي للإخوان، تقوم بإدارة تلك الأموال وإعادة جزء منها لفروع التنظيم في الشرق الأوسط، بلغ إجمالي التمويل المقدم لتلك الجمعيات في فرنسا وحدها سنويا 40 مليون يورو.
التاريخ ساخر عظيم؛ فهذه قناة الجزيرة التي خصصت لها الدوحة الأموال الطائلة لنقل واقع في المنطقة العربية، رأت في أصحابها مضطهدين ومعارضين يبحثون عن كلمة لا في وجه أنظمة الحكم؛ ها هي تدفن رأسها في التراب متجاهلة انتفاضة أبناء قبيلة المُرَّة الذين خرجوا على نظام الحكم في الدوحة بعدما أقصاهم من أول انتخابات لمجلس الشورى.
الدوحة التي تقول إنها تدافع عن التداول السلمى للسلطة لم تنظر إلى نظام الحكم لديها؛ وهو ما ينطبق على الخليج برمته، لكن أسئلة الديمقراطية توجه للدوحة دون غيرها كونها صدَّرت خطاب المدافع عن الطالبين للديمقراطية وأنفقت جرائه ملايين الدولارات.
وإذا كانت قطر تدعم حركات التحرر العربية؛ فلماذا لم تقدم تمويلات للمجتمع المدني ومنظمات حقوقية تركز أعمالها على موضوعات مناهضة للعنف، لماذا لم نسمع أو نطالع أخبارًا عن تمويلات قطرية لمنظمات نسائية وأخرى مهتمة بحقوق الطفل والأرامل، لماذا حصرت الدوحة المعارضون في الإسلاميين دون غيرهم.
الغريب أن مفردات الإرهاب والتطرف تغيب في خطاب الدوحة الدبلوماسي، أو حتى وسائل إعلامها، فنادرًا ما نسمع مذيع قناة الجزيرة ينعت فصيلاً بـ الإرهابي أو المتطرف، إلا إذا كان الواقع يضغط كارتكاب تنظيم "داعش" هجوما دمويًا يصعب معه أن تهرب القناة القطرية من وصف الحدث بالإرهابي، لكنها في المقابل تسمي بعض الجيوش العربية بالقوات متبوعة باسم حاكم الدولة، في المقابل تطلق لفظ المتمردين على أغلب حركات التطرف العربية والأفريقية، بما يحمله لفظ المتمرد من دلالات تحتمل في بعض المواقع أن تكون سياسية، فالتمرد السياسي على النظام الحاكم أقرب للاعتراف به في أدبيات الديمقراطية.
كما أن لفظ التمرد يمكن اعتباره الأكثر حدة على اللسان القطري، فثمة مصطلح "المعارضة"، الغريب أن ممثلي الدوحة وهم يتحدثون سواء على المستوى الرسمي أو المستوى الإعلامي وهو الدبلوماسية الناعمة لها، يتبعون لفظ المعارضة بأعمال متطرفة يسمونها أيضًا بلفظ أقل وقعًا بأعمال شغب، وهو ما يوحي بأن ما حدث أو يحدث يأتي في إطار التعبير عن الرفض والغضب الجماهيري ويجب احتواء، بينما هو في الأصل تطرف، كحرق مؤسسات حكومية.
ثمة مفارقة أخرى في الخطاب القطري تجاه ملف التطرف والإهارب، يتمثل في كم النعوت والهجوم التي توجهها الدوحة لدول أخرى في المحيط العربي أو الخليج، بوصفهم مخربين وداعمي الفوضى، إذا كان ذلك مرتبطا، بموقف دولة معنية داعم لانتفاضة شعبية ضد نظام حكم بخلفية إسلامية، كما حدث في تونس مؤخرًا، ضد جماعة الإخوان المسلمين.

 

مقصد القول أن قطر التي تتعامل بوجهين متناقضين إزاء ملف التطرف والإهارب، تبقى المسؤول الأول عن تمويل البنى العسكرية للجماعات الإرهابية والمتطرفة، ليس من قبيل الشعارات ولكن بالمستندات والوثائق والتحويلات البنكية الموجودة بالأساس عبر شبكة الإنترنت، ولا تزال الدوحة مصرة على دفع "فاتورة الدم".
 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9