عمرو فاروق يكتب: الإخوان واستراتيجية السيولة الفكرية

2021.10.23 - 01:51
Facebook Share
طباعة

 

في ظل الأوضاع الراهنة التي تحيط بجماعة الإخوان وسقوطها سياسيًا وشعبيًا، وارتباكها فكريا، وتصدع جدران كيانها التنظيمي بالإنشقاقات المتلاحقة، ثمة أصوات تنادي بمحاولة وضع استراتيجيات جديدة للتعامل مع أكبر أزمة تعصف بمشروعها منذ تأسيسها في نهاية العشريات من القرن الماضي.
النقطة الأكثر مفصلية في محاولة إعادة جماعة الإخوان للمشهد السياسي والاجتماعي في عمق المنطقة العربية، تتمثل في التخلص من عبء التنظيم، عقب حالة الرفض الواسع وعجزها في صناعة حواضن شعبية تمكنها من نشر أيدلوجيتها الفكرية، في ظل انهيار التنظيم وروافده.
مخطط نقل الإخوان من الحالة التنظيمية إلى حالة "السيولة الفكرية" أو ما يعرف بـ" التيار الفكري" الجارف، ليست بالهينة، إذ أنها اعتمدت طول تاريخها على فكرة الإستقطاب والتجندي التنظيمي، وإدارة الجماعة وفقًا لضوابط تنظيمية هرمية، تمكنها من التحكم المطلق في عناصرها وقياداتها بناء على مجموعة من الأدبيات والأطروحات التي يتم تمريرها في إطار الخضوع والإنسجام بين القيادات والقواعد التنظيمية.
الاستراتيجية الجديدة للإخوان في تشكيل الوعي العربي مدعومة بشكل مباشر من التنظيم الدولي، وليس من التنظيم المحلي (إخوان مصر)، وتمثل أهم محطة فيها المؤسسات الثقافية من خلال صناعة مجموعة من الكتاب الجدد، أو الإسلاميين الليبرالبين، بهدف السيطرة على الشريحة العمرية الجديدة التي يتم مغازلة أفكارها ورؤيتها "عن بعد" من خلال كاتبي الروايات الخيالية والأدبية ،وإصدارات التنمية البشرية، التي تحمل بين دفاتيها ارهاصات المحتوى الفكري الأصولي.
تخلّت جماعة الإخوان عمليًا عن أدواتها التقليدية للتأثير في الدوائر المجتمعية المصرية والعربية، تطبيقًا لاستراتيجيتها الجديدة تجاه تنفيذ سيناريوات "أسلمة المجتمعات"، إذ لم تعد في حاجة للسيطرة على المساجد والمدارس والجامعات والنقابات المهنية، والأندية الشبابية والرياضية، لا سيما في ظل الوعي الأمني والشعبي المتعافي تجاه مخاطر جماعات الإسلامي السياسي والحركي.
عملية الإنتقال إلى التيار الفكري، والتخلص من عبء الهيكل التنظيمي، فكرة طرحها ياسين أقطاي، سكرتير التنظيم الدولي تركيا، ومستشار الرئيس أردوغان، وترجمة في شكل دراسة بحثية، قدمت لقيادات الجماعة، وتضمنت الخطوط والمسارات التي يجب أن تتعامل معها في ظل المتغيرات السياسية، مبينة أن السيولة الفكرية، تمثل الحالة الأقرب إلى المنهجية الأصولية واستمرارية وجودها.
الدراسة حملت نقدًا واضحًا للمشروع التنظيمي، وطرحت بشكل مباشرة على قيادات التنظيم الدولي في مقدمتهم إبراهيم منير، ويوسف ندا، ومحمود حسين، وأنس التكريتي، لكشف الوضع الحقيقي للجماعة على أرض الواقع وانحصار دورها في الحركة الإسلامية ككل.
أكدت الداسة البحثية، أن جماعة الإخوان في آونتها الأخيرة يتولاها إدارة متخبطة سياسيًاودعويًا، وأنها أدبيات الجماعة لا تحمل أية رؤية تستشرف الواقع أو المستقبل، إنما يقتصر هواها على بطانة تخون كل من يختلف مع توجهاتها ورؤيتها وأفكارها، وأنها أصبحت بعيدة تمامًا عن أية نقد أو تقييم لذاتها ولقادتها.
مشيرة إلى أن جماعة الإخوان ليس لديها نية للمراجعة أو للمكاشفة لحصر أخطائها على مختلف المستويات التنظيمية والفكرية والتربوية، وأن اللوائح الداخلية أصبحت متهالكة لا تتناسب مع الأوضاع الحالية وتحول عناصر التنظيم لمجرد أدوات تسمع وتطيع دون وعي أو إدراك لمجريات الأمور.
تحاول جماعة الإخوان في ظل حالة الارتباك والتخبّط الداخلي، صوغ خطاب تنظيمي ينتقل من المحلية إلى العالمية، من خلال مجموعة من المؤسسات والأكاديميات المعنية بالتأهيل الفكري، ويتركز دورها على بث خطاب موجّه إلى روافدها وقواعدها التنظيمية، فضلاً عن مخاطبتها العقل الجمعي العربي، منها على سبيل المثال "معهد منهاج للفكر والثقافة"، الذي أُسّس كمبادرة شبابية من داخل الأردن، ويهتم بنشر الأدبيات الفكرية الإخوانية بين الشباب، عن طريق دورات ثقافية وتربوية، في حال أقرب إلى الجلسات واللقاءات التنظيمية المعروفة تحت مسمى "الأسر والكتائب".
بعض المحاضرات التي بث بـ"معهد منهاج للفكر والثقافة"، وروجت لها منصات الإخوان عبر تطبيق التلجيرام تحديدًا، تحدثت بوضوح حول مفاهيم وحدة الصف الإخواني، وكيفية خروج الجماعة من كبوتها، وإعادة تقديم نفسها مرة أخرى للرأي العام على أنها كيان سياسي، ودراسة قدرتها على البقاء والانتشار وانسجامها مع الشارع المصري والعربي، ومسارات توظيفها للإمكانيات والظروف المتاحة في ظل النظام السياسي الحالي.
يتبع معهد "منهاج للفكر والثقافة"، جماعة الإخوان الأدرنية التي كان يتولى زمامها الدكتور همام سعيد، المراقب العام الخامس، بعيدًا عن الجبهة الجديدة التي انشقت في يناير 2015، واتجهت لتأسيس "جمعية الإخوان المسلمين"، كجمعية مرخصة قانونًا بتوافق مع النظام السياسي، ويتزعم هذه الجبهة عبد المجيد ذنيبات المراقب العام الثالث للإخوان، والذي تقاعد لأسباب صحية، ويتولى مسؤولية الجمعية حاليًا شرف القضاة، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي أسسه يوسف القرضاوي من داخل قطر.
على هامش حالة التحول التنظيمي، تم إشهار مؤسسة "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" MENA EDITORS ، في لندن كشركة غير ربحية برقم (11579456)، وتم افتتاح فرع لها في النمسا تحت رقم (1643702166)، وفرع ثالث تابع لاتحاد الجمعيات الأهلية في تركيا (أحد كيانات التنظيم الدولي)، برقم (34-263/068)، وفرع رابع بدولة تونس، وفرع خامس في دولة المغرب.
تعتبر منظمة "شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" من الكيانات الإعلامية والسياسية التي تلعب أدوارًا مزدوجة، لا سيما في ظل ارتباطها بعدد من المؤسسات الأمريكية والمموّلة للمشاريع المناهضة للأنظمة السياسية الحاكمة، وتقديمها لمجموعة من الدورات وورش العمل حول أساسيات الإعلام البديل أو الإعلام الموازي، ويشرف عليها مدرّبون من جنسيات عربية، ينتمي غالبيتهم تنظيمياً للإخوان، بهدف تمرير أجندة الجماعة في تفكيك البنية المجتمعية للشعوب العربية.
ضمت المؤسسة الإخوانية المشبوهة " MENA EDITORS"، بين صفوفها الإدارية، أحد أخطر رجالات التنظيم الدولي، إسماعيل القريتلي (ليبي الجنسية) المدرج على قوائم الإرهاب، والذي لعب دورًا مهمًا في خدمة جماعة الإخوان لسنوات طويلة داخل أفغانستان وقطر وبريطانيا، بناءً على تسريبات لجهاز الأمن الخارجي الليبي.
تعمل منظمة MENA EDITORS، وفقًا لمشروع التنظيم الدولي، في التوسع والانتشار عربيًا وأفريقيًا بين الأوساط الشبابية الجديدة، على نطاق واسع، في ظل تعثر المشروع الإخواني التنظيمي على أرض الواقع، مع فرضية الاتجاه نحو قطاعات مهنية مختلفة، سواء من الأطباء أو المحامين، أو المعلمين، الذين يتم استقطابهم بالنهج المؤسسي نفسه عربيًا ودوليًا من خلال تأسيس كيانات تقدم استشارات فنية ومهنية، تدخل في شراكة مع مؤسسات دولية كبرى بهدف تنفيذ مشروع توسعي ينطلق من أرضية دولية لا محلية.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2