عمرو فاروق يكتب: النمسا ومشروع تفكيك تنظيم "الإخوان "

2021.11.08 - 11:12
Facebook Share
طباعة

تشهد جماعة الإخوان حالة من السقوط على المستوى العربي والأوروبي، عقب محاصرتها بحزمة من القرارات والقوانين والتشريعات التي تحد من نشاطها وتواجدها بشكل كامل، وتقضي على طموحها في السيطرة والهيمنة على الدوائر المجتمعية، سعيا في تحقيق ما يعرف بـ"أستاذية العالم".
لم تكن الإجراءات التي اتخذتها السلطات النمساوية لوقف التمدد الإخواني، من قبيل المصادفة، كونها أدركت أمنيا وسياسيا حجم التغلغل الأصولي وخطورته في تغيير النمط السلوكي والفكري للدوائر الاجتماعية الأوروبية، وانجراف الكثير من خريجي المؤسسات الإخوانية إلى بوتقة التطرف والعنف المسلح، والاعتقاد بكفرية الحالة الغربية.
كانت السلطات النمساوية قد عقدت الأسبوع الماضي مؤتمرا دوليا لمواجهة تيارات الإرهاب والتطرف، بحضور نحو 100 شخصية بارزة، لمواجهة تغلغل تيارات الإسلام السياسي في المجتمعات الأوروبية، تحت عنوان، "منتدى فيينا لمكافحة الفصل والتطرف في الاندماج".
في منتصف عام 2021 أقر البرلمان النمساوي قانون لمكافحة الإرهاب والتطرف، يستهدف تعزيز جهود الدولة لحظر نشاطات التنظيمات الإرهابية وملاحقة مموليها، حيث شملت قائمة للحظر، تنظيم الإخوان، وتتيح التشريعات الجديدة في النمسا، تغليظ العقوبات على البيئات الحاضنة للمتطرفين، وتسهل عملية مراقبتهم، وكذلك مراقبة خطاب الكراهية والتشدد الديني، واستغلال شبكة الإنترنت في هذه الأغراض.
تستهدف حزمة القوانين التي أقرها المجلس الوطني "البرلمان"، النمساوي إطلاق يد الحكومة في مواجهة البيئات والتنظيمات الحاضنة للإرهاب، والتي تحض على التطرف والكراهية، سواء في العالم الافتراضي أو في الواقع العملي، وتكثيف وتعزيز إجراءات مواجهة الإرهاب والتطرف في البلاد، بعد أشهر من هجوم فيينا الشهير في 2 نوفمبر 2020.
كما تم استحداث مسمى الجريمة الجنائية ذات الدوافع الدينية، وتشريعات ما يعرف بـ "مؤتمرات الحالة"، التي تدرس حالة الجناة المفرج عنهم، في فترة الإشراف القضائي، في محاولة لمنع تكرار حالة منفذ هجوم فيينا، الذي أفرج عنه في قضية تطرف، قبل إكمال مدة الحبس المفروضة قضائياً، ولم يخضع للتقييم أو المراقبة، حتى تنفيذه الهجوم، مع الإلزام بوضع السوار الإلكتروني.
كانت هيئة حماية الدستور النمساوية "الاستخبارات الداخلية"، عثرت خلال مداهمات لعدد من المؤسسات التابعة لجماعة الإخوان، على قائمة للإغتيالات تضمن عدد 40 شخصا من الرموز السياسية والثقافية المختلفين أيديولوجيا لتيار الإسلام السياسي، تحت مسمى "قائمة الأعداء".
من ضمن حزمة إجراءات مواجهة خطر جماعة الإخوان التي اتخذتها السلطات النمساوية، تم تأسيس مركز توثيق الإسلام السياسي، بميزانية أولية بقيمة نصف مليون يورو، ويقوم بدور رقابي على جماعة الإخوان والتنظيمات الأصولية المتطرفة، ومناهضة الأفكار الراديكالية، شاملا متابعة المؤسسات الإسلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي.
ويضم المركز 8 خبراء عالميين، تحت إشراف الدكتور مهند خورشيد، الأستاذ بجامعة مونستر الألمانية، وأحد أهم خبراء في الإسلام السياسي في أوروبا، أبرزهم ليزا فيلهوفر، أهم خبيرة في شؤون الاندماج في النمسا، وواحدة من أوائل من طالبوا بتأسيس المركز لرصد وتحليل تنظيمات وقيادات التنظيمات المتطرفة، والخبير الأمريكي ذا الأصول الإيطالية، لورينزو فيدينو، رئيس مركز التطرف بجامعة جورج واشنطن الأمريكية.
خلال عملية الاختراق الغربي، كانت الجاليات والأقليات العربية والإسلامية، في مرمى المخطط الإخواني، إذ أنها الأداة الأكثر تأثيرًا وفاعلية في الوصول للدوائر المجتمعية والسياسية الأوروبية، لسهولة توظيفها ضمنيا في نشر مرتكزاتها وادبياتها العقائدية، وتحقيق مشروع الهيمنة على الغرب، وفقا للكثير من الوثائق المسربة أو المضبوطة من قبل الأجهزة الاستخباراتية منذ تسعينات القرن الماضي.
في مخيلة المرجعية الفكرية الإخوانية، تعتبر المجتمعات الأوروبية والغربية إرثا تاريخيا يمثل جزء صلبا من كيان دولة الخلافة الإسلامية، ووجب عودتها إلى حواضن الأيديولوجية الأصولية ومساراتها السياسية والدينية.
سعت جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928 على يد حسن البنا، إلى صناعة ما يعرف بـ"الدوائر الفكرية" الموازية سياسيا وشعبيا، ووضع عشرات الخطط طويلة وقصيرة المدى التي تهدف لتحقيق ما يسمى بـ" استراتيجية التمكين"، اعتمادا على سياسة القوة الناعمة في عملية السيطرة على المجتمعات العربية والغربية.
رغب حسن البنا في نقل التجربة المصرية إلى الخارج بتأسيس ما يعرف بـ"قسم الاتصال بالعالم الإسلامي" عام 1944، لاحتواء الطلاب الأجانب والوافدين وضمهم تدريجيا في الداخل التنظيمي، ليتغلغل الكيان الإخواني في العمق الأوروبي والأمريكي، ببناء شبكات متناثرة وواسعة هيمنت على تمثيل الجالية الإسلامية والعربية، ساهم في إقامتها سعيد رمضان، إبان الصدام مع النظام الناصري.
في أكتوبر 2005، نشر الصحفي السويسري سيلفان بيسون، مذكرة تفصيلية حول محور ارتكاز للمشروع الإخواني في العمق الأوروبي، ضمن أوراق كتابه : "غزو الغرب.. المشروع السري للإسلاميين"،تناول فيها ما لديه من معلومات تتعلق بخطة الإخوان للهيمنة على المجتمعات الغربية، انطلاقاً من التوسع في تأسيس منظمات أصولية موازية تستهدف التأثير في هوية الدوائر المجتمعية.
كانت السلطات السويسرية، قد داهمت فيلا بمدينة "كامبيون"، في نوفمبر 2001، مملوكة لرجل الأعمال المصري البريطاني يوسف ندا، مدير "بنك التقوى"، والأمين العام السابق للتنظيم الدولي للإخوان، بتهمة تمويل الإرهاب أعقاب أحداث 11 سبتمبر.
خلال المداهمة ضبطت الوثيقة المعروفة بـ"المشروع السري"، التي تمت صياغتها في ديسمبر 1982، تحت عنوان "نحو استراتيجية عالمية للسياسة الإسلامية.. منطلقات وعناصر ومستلزمات إجرائية ومهمات".
شملت وثيقة "المشروع السري"، 24 بندا مثلت عمود تحركات جماعة الإخوان للهيمنة على الغرب، أهمها: بناء شبكات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق من المدارس والمستشفيات والمنظمات الخيرية المكرسة للنموذج الإسلامي، وتأسيس ما يعرف بـ"جهاز معلوماتي"، معني بجمع وتخزين وتحليل المعلومات في إطار رصد المخاطر الموجهة للحركة الأصولية في أوروبا، وتأسيس المنصات والمراكز البحثية الأكاديمية والعلمية، التي تعمل على تقديم رؤية للقضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة من منظور إسلامي، بجانب عمل خريطة عقائدية ومذهبية تشمل مختلف دول العالم العربي والإسلامي.
أوضحت وثيقة "المشروع السري"، أن لدى جماعة الإخوان خطة مكونة من 3 مراحل، للهيمنة على الغرب، من خلال 12 منطلقا أهم: قراءة الواقع، واعتماد المنهجية العلمية في التخطيط والتنفيذ، والعمل الموازي التدريجي في السيطرة على مراكز القوى المحلية، وبناء القوة الداعمة للمشروع الإسلامي.
انتقلت الوثيقة السرية إلى ما يعرف بإشكالية الخداع الإستراتيجي، من خلال إقامة "تحالفات ثنائية"، و"شراكة متبادلة" مع المنظمات الغربية لكسب شرعية التغلغل في العمق الأوروبي،والتأثير على صنّاع القرار السياسي، وتمرير ما يخدم أجندة المشروع الفكري للإخوان .
طرح الدكتور لورنزو فيدينو، مدير برنامج دراسات التطرف في جامعة جورج واشنطن، بين سطور كتابه "الدائرة المغلقة: الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين والانشقاق عنها"، الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا في مارس 2020، رؤيته حول الكيانات الإخوانية المنتشرة في أوروبا، ودورها السري في تغيير الهوية الفكرية والاجتماعية للمجتمعات الغربية.
قسم الباحث الأكاديمي، جماعة الإخوان في الغرب إلى ثلاث شرائح مختلفة على أرض الواقع، أولها: كيانات إخوانية محضة؛ وهي شبكات سرية غير معلنة تم تأسيسها بواسطة فروع شرق أوسطية تابعة للتنظيم، وتعتمد على التلقين الأيديولوجي، ويشرف عليها قيادات منتقاة، وتشكّل حجر الأساس للمنظومة الإخوانية في الغرب.
وثانيها: كيانات مولودة من رحم الإخوان؛ وهي منظمات علنية أسسها عناصر إخوانية، في ظل نفيهم الدائم لعلاقتهم بالتنظيم، وتقوم بمجموعة واسعة من الأنشطة الاجتماعية والثقافية والخدمية، انتهاء بكيانات متأثرة بالأيديولوجية والمرجعية الفكرية للإخوان،ولكن ليس لديها روابط عملية واضحة تجمعها مع المكون التنظيمي، رغم ارتباطها الوثيق بمصادر التمويل وتأثرها العقائدي.
تطرق الباحث إلى تكتيكات الاستقطاب والتجنيد التي تلجأ إليها الجماعة في التأثير على العناصر الجديدة، والزج بهم بين جدرانها، مع اعتمادها مبدأ السرية والتخفي، مستنداً لرواية شخصيات سابقة فاعلة داخل المكون التنظيمي بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، بناءً على مقابلات حوارية مباشرة، راصداً العلاقة بين الإخوان والحركات الأصولية المسلحة،والمتسمة بالسرية المغلقة والتعقيد الشديد.
انتهى صاحب كتاب "الدائرة المغلقة"، إلى أن مؤلفات سيد قطب ونظرياته الفكرية كانت ملهمة للكثير من التيارات السلفية الجهادية، فضلاً عن احتلالها مكانة بارزة في المناهج التربوية والثقافية المخصصة للقواعد التنظيمية، ما ينفي ادعائهم بالتخلي عن العنف المسلح.
وأشار فيدينو، إلى أن شبكات الإخوان في النمسا تأسست في الستينيات من القرن الماضي، على يد عدد من أعضاء التنظيم المصريين المهاجرين، معتمدين في البداية على بناء المساجد من أجل الحصول على التبرعات المالية، قبل أن يمتد هذا العمل إلى بقية دول أوروبا، بإشراف أعضاء الإخوان الناشطين المعروفين، أمثال أحمد محمود الإبياري، الذي انتقل من النمسا إلى لندن، ليدير عددًا من شركات الإخوان البريطانية المسجلة رسميًّا، من بينهما "نيل فالي" و"ميديا سيرفس"، فضلا عن تأسيسهم لمنظمات ومؤسسات متنوعة اتخذت أشكالًا عدة، بعضها تجارية وبعضها خيرية، تعمل على جمع الأموال لصالح التنظيم الدولي.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1