محمود غريب يكتب: قوارب النجاة...قراءة في حديث المراجعات الإخوانية

2021.11.12 - 01:00
Facebook Share
طباعة

الحديث المتزايد عن رغبة عناصر بجماعة الإخوان المسلمين إعلان «مراجعات» تقضي بعقد مصالحة مع النظام، لإعادة الاندماج في المجتمع، محاطة بضباب كثيف، من ناحية التفاصيل والأهداف، وطبيعة هذه المراجعات، هل هي فكرية أم سياسية، وما النتائح المترتبة عليها، وهل الطرح الحالي فردي أم جماعي؟
الشيء الثابت أنّ الجماعة تفاعلت مع السياق السياسي طوال تاريخها من منظور براجماتي، يخضع لحسابات المكسب والخسارة، على الصعيد الحركي، بالتصعيد أو التخفيض أو المهادنة وعقد الصفقات، سواء مع يمين السلطة أو يسارها أو بين الأجسام السياسية والاجتماعية.
هذه الطبيعة التي اعتادتها الجماعة بقادتها وقواعدها الحركية، أكسبت المنتظمين أو حتى «المحبين»، وفق التعريف الحركي داخل التنظيم، ثقافة مُشبَّعة بفكر مطاطي، يجعل الغاية أساسًا ومن دونها من وسائل مُبرَّرة، سواء كانت في أقصى نقطة تطرف حركي أو أقربها مهادنة.
بناء على ذلك؛ نوّعت الجماعة تكتيكها الحركي وفق مقتضيات سياسية واجتماعية، أو حتى اقتصادية في بعض المراحل؛ ولذلك كان طبيعيًا أن يفكر أعضاؤها خلال مراحل عديدة في تطوير هذه السياسة، إلى مرحلة تبدو لدى البعض أنها مراجعة فكرية أو تخليًا عن منهج، بيد أنها جزء من التكتيك الحركي والفكري الذي تربى عليه أعضاء التنظيم.
من الناحية العملية، فإن مفهوم المراجعات غير متوافر في المنظور الفكري لدى جماعة الإخوان، سواء على مستوى القادة أو القواعد، بيد أن الأمر يتعلق بنقد لسياسات خاطئة، عندما يرفض رأس التنظيم الاعتراف بها، فتخرج أصوات من القاعدة الشبابية ناقدة وناقمة على السلبيات الحركية، وهنا نلحظ أن الاعتراض أو الانشقاق في مراحل معينة لا يستند إلى نقد فكري، بقدر ما هو اعتراض على الأداء العام.
 لذلك، فإنّ ما يتردد عن عقد مراجعات ما هي إلا شكوى ضد المسؤولين أكثر منها رغبة في المراجعة، هي محاولة للتعبير عن الإحباط من الأداء التنظيمي، وليس هجرًا للفكر والأيديولوجيا لدى المنتسبين، خاصة أنها تأتي بشكل فردي من بعض المحبوسين أو المقيمين بالخارج، وليست رغبة جماعية على أقل تقدير.
كما أن قيادة الجماعة لا تتوانى في استغلال تلك الورقة لصالحها والترويج إعلاميًا بأن فكرة المصالحة مع النظام الحاكم مطروحة للنقاش، من خلال نقل رسائل فردية كتلك التي انتشرت قبل أشهر من داخل أحد السجون، وغيرها من الرسائل القادمة من الخارج أحيانًا. ذلك أن خلق انطباع لدى الرأي العام بأن ثمة إمكانية للحوار مع النظام تعطي التنظيم نفسًا إضافيًا لمقاومة الانهيار، كما تُشعر بعض القواعد المتململة من الوضع بأن ثمة انفراجة في الأفق.
من الناحية التاريخية، لا أتذكر أن الجماعة عرفت في السابق أيَّ نوع من المراجعات، سواء الفكرية أو الحركية، أو تنازلت عن الأهداف والوصايا العشر التي وضعها المؤسس حسن البنا، وبالتالي فإن الحديث عن أيّ شكل من أشكال التراجع أو التغيير والتخلي، تبقى نوعًا من اللعبة السياسية على أقصى تقدير، بينما يمكن أن تكون محاولة للقفز من المركب الغارق على أقل تقدير، بالنظر إلى أن قطاعًا كبيرًا من منتسبي الجماعة حصدوا نتائج سلوك الكبار، الذين يرفضون السماع للآخرين؛ وبالتالي، فإنّ عدم التشكيك في نوايا المُصدِّرين خطاب المراجعات يعني أنّها محاولة للإمساك بأي قارب نجاة، بينما يذهب التوقع الآخر إلى كونها نوعًا من الخلطة السياسية المستندة إلى براغماتية التنظيم.
التكتيك الآخر الذي تعتمد عليه الجماعة في مثل هذه الظروف، هو تصدير خطاب عام لدى قواعدها شعاره «المحنة»، وهو ما يقتضي بالضرورة تصرفات وسلوك غير معتاد، يتماشى مع هذه الأوضاع لعبور المحنة، من قبيل مد أي «حبل» إلى قارب النجاة لدفع التنظيم إلى أقرب شاطئ، هذا يعني أنّ تعديل سلوك الأفراد أو إعادة دمجهم في المجتمع بتصرفات جديدة أحد أهم أدوات إعادة الإحياء والتجديد، على غرار ما تسميه الجماعة «محنة عبدالناصر»، تلك التي شهد خلالها التنظيم هزّة عنيفة كاد يفقد قوامه.
المدقق في خطاب شباب الجماعة الراغبين في عقد مراجعات يلحظ أنّ جميعها تنطلق من شعور عميق بالصدمة إزاء تخلي قادة الجماعة عنهم، سواء التقصير في الدفاع عنهم أو التخلي عن أسر المسجونين، الذي يعانون أوضاعًا اقتصادية صعبة، أو التخلي عن الهاربين إلى الخارج، على غرار تجربة طلبة الإخوان المصريين في السودان، الذين وصل الحال ببعضهم للنوم في الشوارع بعدما تخلت عنهم الجماعة وتركتهم للمجهول وهي التي دفعتهم لمغادرة البلاد، هنا يكتشف الشباب صدمة كبيرة إزاء الأشخاص وليست الفكرة؛ أعني الأيديولوجية والمنهج، لاسيما أن بعضهم كان يُذكِّر الآخر بوصايا حسن البنا في سياق التعبير عن الضجر من قبيل: «أهكذا علمنا البنا؟!».
من الناحية السيكولوجية، فإنّ المراجعات أو التحولات الفكرية سمة إنسانية ويقبلها العقل البشري، بيد أنّ لها مقدمات تُفضي لنتائج، وتحتاج في المقام الأول استعدادًا جوهريًا مبنيًا على اقتناع بأن أية منهج فكري إنساني قابل للتعديل والتغيير والتطوير أو الإلغاء كلية، باعتبار أننا جميعًا بشر، وربما نكتشف أن أفكارنا خاطئة أو هادمة. بيد أنّ المسألة داخل تنظيم الإخوان ذات طبيعة مختلفة، فإنّ دوافعها تقود إلى نقد السلوك السياسي، أو السلوك الإداري والتنظيمي وليس نقد المنهج والفكر الأيديولوجي.
لنكون واقعيين أكثر؛ فإنّ المراجعات تحتاج إطارًا تنظيميًا على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية، وليست فعلاً فرديًا أو رسائل ورقية يجرى تسريبها لوسائل الإعلام، فالأمر يحتاج تصورًا جماعيًا لدى التنظيم، مبني على اقتناع بضرورة التغيير، وقبل ذلك الاعتراف بالخطأ وضلالية الطريق الذي سلكته الجماعة طيلة السنوات الماضية.
لستُ على يقين بأنَّ 1% من شباب الجماعة أو قادتهم سواء الناقمين أو المتضررين من السلوك الإداري الحالي للجماعة، لديه الحد الأدنى من الشعور بأن منهج التنظيم خلال الفترة السابقة ضلاليًا أو ظلاميًا، أو حتى يحتاج لتقويم فكري ومعرفي، بالكاد يعترفون بأن التقويم المفترض يتعلق بالجانب الحركي والسلوكي، والذي تتم معالجته في حده الأفصى بإبعاد الوجوه الحالية عن قيادة التنظيم.
المراجعات لها متطلبات ضرورية، فقبل التخلي عن الأفكار القديمة أو أيديولوجية الجماعة، على أصحاب المراجعات الاعتراف بالآخر، سواء فكريًا أو سياسيًا؛ ليس الاعتراف بالنظام السياسي فقط، ولكن بنظرة شمولية لكافة مكونات المجتمع، فالنظرة التي كان يحملها شاب بتنظيم الإخوان لنظيره الليبرالي باعتباره يخالف الشرع والدين، بناءً على أفكار يراها الإسلامي انفتاحية، هذا التفكير بحاجة إلى إعادة تقييم ومراجعة، لا أقصد الاقتناع بأفكار الآخرين، ولكن الاعتراف بحق الغير في ممارسة السياسة والطقوس الدينية أو غيرها وفق ما يقتنع، بدون مصادرة على أحد.
التخلي عن الفكر المتطرف ليس فقط تجاوز الخطاب العنيف تجاه الآخرين، بقدر ما هو اقتناع بأن المنهج نفسه تسبب في أضرار بالغة اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، وبهذا المعنى يكون الخارج من عباءة الإخوان شخص تملؤه الحسرة على ما مضى، عازم على تصحيح ما هو قادم، كمن ارتكب خطيئة ويريد تكفيرها؛ لن يتأتى ذلك بدون مزيد من الأعمال الصالحات، هكذا السياسة في عُرف المتراجعين عن أفكار التطرف.
 هنا يجب التفرقة بين نوعين من المراجعات، هما: مراجعات سياسية، ومراجعات فكرية، فالأولى تطلب انفتاحا على الآخر ومن قبله على السلطة القائمة والتراجع عن مواقفع سياسية سابقة، وهذا النوع من المراجعات قابل للتطبيق بالفعل، أما النوع الثاني الفكري، الذي يقتضي الاعتراف بالأخطاء الدينية في البنية الفكرية للجماعة، فهي الأمر الصعب، والذي لم يتطرق إليه أيٌّ من الراغبين في عقد مراجعات، فالرسائل التي يجرى تسريبها تحتوي بالكاد نقد سياسيًا ورغبة في التصالح مع النظام، دون الحديث عن أفكار الجماعة ومنهجها الديني.
إزاء ما سبق، فإنّ تردد الحكومات تجاه فكرة عقد مصالحات مع الجماعة وفق منظور المراجعات المطروح يُراعي الجانب الفكري الذي لا يزال يُسيطر على أعضاء التنظيم، الذين يحاولون التشبث بقوارب النجاة، لكن في المقابل: «لو عاد التمكين لعادوا»، ذلك أنَّ الشواهد السابقة تقول إن فكرة المنشقين ما هي إلا انفكاك تنظيمي فقط، وليس فكري، فكل الخارجين من رحم الجماعة لا زالوا يمتلكون نفس الأفكار، وبعض القادة المنشقين أسسوا أحزابًا وأجسامًا سياسية بنفس المنهج والفكر، على غرار عبدالمنعم أبو الفتوح الذي أسس حزب مصر القوية.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5