لمحات عن التنظيم السري لجماعة الإخوان

2021.11.13 - 10:30
Facebook Share
طباعة

 «إن مشواري مع الإخوان بدأته من عام 1951 وحتى خرجت من السجن -أي ثلاثة وعشرين عامًا- لا أنفي عن نفسي أي مسؤولية تجاه ما حدث، لكني أقدمه لشبابنا الذي باتت تتقاذفه تيارات ترتدي ثوب الإخوان ولا يعرفون عن أهدافها شيئًا، ويلقون بأنفسهم في خضم أهوال لا ينبغي أن يتورطوا فيها».


تأتي تلك السطور ضمن اخرى كتبها علي عشماوي أبرز قيادات التنظيم الخاص المسلح " التنظيم السري"  الذي أسَّسه حسن البنّا عام 1940،  ومسؤول الاتصال الخارجي حتى عام 1964.

وتحت عنوان «التاريخ السري لجماعة الإخوان»،  كشف «عشماوي» الغطاء عن تنظيم الجماعة؛ قائلًا: إن الإخوان درسوا جميع التنظيمات العالمية حين حاولوا بناء النظام الخاص، وتأثروا جدًّا بالفكر الباطني في التاريخ الإسلامي؛ حيث كانت التنظيمات العباسية والعلوية، وما صاحبها من فرق سرية، مصدرًا أساسيًّا تم الرجوع إليه ودراسته والاستفادة بالأفكار الحركية في كل تنظيم على حدة.

في منتصف أكتوبر عام 1954، كان «عشماوي» ضمن كتيبة من النظام الخاص، صدرت لهم تعليمات بصدام وشيك مع الدولة، يقول: «علمنا أن التحركات تعتمد على تأمين الجيش من خلال الإخوان الذين كانوا في الخدمة ولا يعلم بهم عبدالناصر، ثم القبض على بعض الشخصيات المهمة والتي لها ثقل، وإن لم ينجح القبض عليهم فهناك خطة بديلة لاغتيالهم، بعد ذلك يستولي الإخوان المدربون في كل أنحاء الجمهورية على أقسام البوليس والمباني المهمة».

تُفَنِّد شهادة عشماوي  حول حادث «المنشية» الذي وصفوه بأنه مسرحية من عبدالناصر، إذ يؤكد أن الإخوان القادمين من الأقاليم كانوا مكلفين بالسيطرة على أقسام البوليس ومبنى الإذاعة، إضافة إلى قطع الطرق المؤدية من ثكنات الجيش إلى داخل القاهرة، وقطع الطرق الداخلة إلى القاهرة من جهة الإسماعيلية.

وعن دور الطلاب، قال: «يقوم قسم الطلاب بمظاهرة مسلحة، ويكون دورها التغطية على بقية العمليات، وإتمام حصار القصر الجمهوري والاستيلاء عليه بعد أن تكون بقية المنشآت الحكومية والمهمة قد تمت السيطرة عليها في خطة زمنية مفصلة».

فيما استهل محمود الصبّاغ أحد قادة التنظيم في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص»، برد أعمال العنف التي قامت بها الجماعة إلى «الجهاد»، فجمع دور الإخوان في فلسطين، بحملة اغتيالات السياسيين المصريين الذين خالفوا الجماعة الرأي، أو أصدروا قرارات ضدها مثل حل الجماعة عام 1948.

وتناول الكاتب في الفصل الأول عن «الجهاد»، فاتخذ من آيات وأحاديث الجهاد دستورًا للتنظيم؛ دون أن يفرّق بين الظرف الذي نزلت فيه تلك الآيات، خاصة أن «الصبّاغ» لم يكن من خريجي الكليات الشرعية، بل درس في كلية العلوم شعبة الرياضيات والفيزياء ومن خلالها انضم لجماعة الإخوان 1939 بعد أن التقى بزميله مصطفى مشهور (أحد رجال النظام الخاص والمرشد الخامس للجماعة فيما بعد).

واستند  مؤلف الكتاب على رسالة «البنّا» للتنظيم الخاص حول الجهاد، قائلًا:«إن هذه الرسالة تحمل فكر الإخوان»، وتمحورت تعاليم مؤسس الجماعة حول حث أعضاء التنظيم على القتال، وكان نصها: «أيها الإخوان: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا، وﻣﺎ اﻟﻮھﻢ اﻟذي أذﻟﻨﺎ إﻻ حب اﻟدﻧﯿﺎ، وﻛﺮاهية اﻟﻤﻮت، فأعدوا أﻧﻔﺴﻜﻢ ﻟﻌﻤﻞ ﻋﻈﯿﻢ واﺣﺮﺻﻮا ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮت ﺗﻮھﺐ ﻟﻜﻢ اﻟﺤﯿﺎة».

وتطرق «الصبّاغ»  في كتابه، إلى تكوين الجيش المسلم، والمسؤول عنه «عبدالرحمن السندي». حمل المحتوى قدرًا من التناقض في تبرير إنشاء التنظيم، محاولًا فرض وجهة نظره كأحد قيادات التنظيم الخاص. إذ أسهب في الحديث عن دور قضية السيارة الجيب (سيارة كانت تحوي وثائق وخططًا لاستهداف منشآت وأوراقًا تخص الهيكل التنظيمي للتنظيم الخاص، ولاحقتها الشرطة أثناء نقل هذه الوثائق من مقر إلى آخر عام 1948) في كشف التنظيم الخاص.

وعن مقتل محمود فهمي النقراشي (رئيس وزراء مصر في الأربعينيات، صاحب قرار حل الجماعة 1948) قال الصباغ:" إن الرجل حفر قبره بيديه حين أقدم على حل الجماعة «الدعوية»؛ لذا فموته كان محتومًا سواء بأيدي الإخوان أو غيرهم من الغيورين على الدعوة، الذين لا يرضيهم أن يظل عدو الإسلام هذا على قيد الحياة".

ويضيف في كتابه عن منفذ العملية ومعاونيه:«كان عبدالمجيد أحمد حسن (عضو التنظيم الخاص) ورفاقه متأكدين وهم يقومون بهذا العمل أن قتل المحاربين لدين الإسلام فرض عين على كل مسلم ومسلمة؛ فأقدموا على هذه العبادة المفروضة عليهم من لدن حكيم خبير دون الحاجة إلى توجيه من جماعة أو هيئة، ولو تأخروا لأداها غيرهم من شباب مصر»، ناسيًا أو متناسيًا تبرؤ «البنّا» من المنفذين وجملته الشهيرة «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين». أباح «الصبّاغ» دماء رئيس الوزراء لأنه كان يحارب الدعوة، متجاهلًا انخراص الجماعة في الشؤون السياسية.

بينما يسرد تفاصيل ذاك الحادث، يؤكد أن الوثائق التي ضُبطت بالسيارة الجيب، وكانت تحوي خرائط لأماكن يُخطط لتخريبها وتنفيذ عمليات بها مما دفع النقراشي إلى حل الجماعة، كانت أمور لم تنفذ بعد، قائلًا:(لو الدولة تحكم بالشريعة بدلًا من القوانين الوضعية، لما حاسبت الإخوان على ذنوب لم يقوموا بها، ففي الدين لو نوى المرء عمل سيئة ولم يفعلها كتبت له حسنة).

واعترف الضباغ خلال كتابه بتدخل الإخوان في السياسة، معترضًا على من يقول إن الجماعة بدأت بالدعوة فهو يرى أن الدعوة تشمل الدين والدولة «الدين والسياسة»؛ لذا لا حرج في أن يكن للإخوان دور سياسي، وهو ما يتنافى مع حديثه السابق عن عداء النقراشي للجماعة الدعوية التي لا شأن لها بالسياسة وأنه كان يحارب الإسلام لا الجماعة.

ودلّل على ذلك بالكتيب الذي كتبه «البنّا» ونشر عام 1948 بعنوان «مشكلتنا الاقتصادية والدستورية» جاء فيه: «من ظنّ أن الإسلام لا يعرض للسياسة وأن السياسة ليست من مباحه فقد ظلم نفسه، وليس صحيحًا فصل الدين عن السياسة، والجماعة لا تناهض نظام الحكم في مصر آنذاك، وتراه متفقًا مع مبادئ الإسلام». وفي ختام كتابه قال إن محاولة اغتيال إبراهيم عبدالهادي (رئيس وزراء مصر من 1948 حتى 1949) تمت لأنه كان قائدًا لحكومة تحارب الإسلام!

ويعود مجددًا لوثائق السيارة الجيب بسيناريو أخر، فبعدما تطرق إلى مراحل انضمام العضو إلى النظام الخاص، أشار إلى أن الجماعة كانت ترسم خططًا وهمية لتدمير منشآت وتضعها بحوزة العضو الجديد كاختبار عن مدى التزامه بالسرية وتنفيذ الأمر مهما كان، إضافة إلى اختبار قوة تحمله في حال تم القبض عليه، وبهذه الرواية يكذّب روايته السابقة التي تقضي بأن الوثائق كانت لعمليات لم تنفذ، وتتحول إلى أنها لم تكن مكتوبة بغرض التنفيذ ولكنها في سياق الاختبارات التي يمر بها أعضاء التنظيم الخاص الجدد، متجاهلًا أن من بينها ما كان بالفعل قد حدث.

الكاتب تطرق إلى ظروف تكوين النظام الخاص والتي لخصها في مقاومة الاحتلال والمساهمة في تحرير فلسطين، ثم أوضح أن قانون التكوين كُتب بخط يده هو و«السندي» وأخرين، ومن بين نصوص القانون قال إن من يفشي سر التنظيم سواء بقصد أو دون قصد يتم إعدامه على الفور. 

وقسم «الصباغ» الجهاد إلى نوعين: أولهما القتال في سبيل الله ضد الصهاينة، والثاني قتال أعداء الله، والأخير هذا يبرر به حملة الاغتيالات السياسية التي نفذها التنظيم الخاص والإخوان، مفرقًا بين ما تم بدوافع وطنية، وبين الدوافع الدينية، فقال:«التزم الإخوان بعدم القيام بأي عمل فدائي ضد إنسان مسلم، إلا الذين أعلنوا الحرب على الإسلام، ولذلك فإنهم قضوا عليهم من أقصر الطرق وهي الاغتيال».

أما عن اغتيال أحمد الخاذندار (قاض مصري قتله بعض أعضاء النظام الخاص 1948)، فيصفه أنه إساءة للإخوان وأن بعض الأفراد استحلوا لأنفسهم القيام بهذه الجريمة، رغم تورط «السندي» رئيس التنظيم الخاص في الحادث هو واثنين من أعوانه، إلا أن «الصبّاغ» يقول إن الجماعة بريئة من هذا الحادث لأن القيادة «حسن البنّا» لم يكن على علم، وهو تصرف فردي من السندي ومحمود سعيد زينهم، وحسن عبدالحافظ القيادي بالتنظيم، الذي قال عنه:«كان يعشق أن يؤدب حكام مصر المنحرفين، وانضم للتنظيم لرغبته في أن ينال شرف قطع رؤسهم».

وكشفت مذكرات الدكتور عبدالعزيز كامل عضو النظام الخاص بالإخوان المسلمين ووزير الأوقاف الأسبق التي صدرت مؤخراً عن «المكتب المصري الحديث»، عن مفاجآت جديدة حول واقعة مقتل الخازندار، وخلافات عبدالرحمن السندي زعيم النظام الخاص مع حسن البنا مرشد الجماعة الأول، خلال الجلسة التي عقدت في اليوم التالي لواقعة الاغتيال، والتي بدا فيها البنا متوتراً للغاية حتى إنه صلى العشاء ثلاث ركعات.

وأدان كامل في مذكراته التي قدم لها الدكتور محمد سليم العوا، عدم إيمان حسن البنا بمبدأ الشوري، وكذلك اتباع النظام الخاص أسلوباً يشبه النظم الماسونية، وعدم حنكة الجماعة في اتخاذ القرارات بل والتسرع فيها اعتقاداً منها أن الله سيتكفل بإصلاح أخطائهم.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3