محمد الأنصاري يكتب: أسطورة سيزيف و الانقلابات العسكرية في السودان

2021.11.25 - 12:51
Facebook Share
طباعة

 لعبت الانقلابات العسكرية دورا محوريا في الحياة السياسية السودانية في العصر الحديث. و يعد  الانقلاب  العسكري الذي وقع في الخامس  والعشرين من تشرين الأول هذا العام خامس انقلاب منذ استقلال هذا البلد العربي الأفريقي الكبير عام 1956.

 

 و لم يستمر الحكم المدني بعد الاستقلال بقيادة  إسماعيل الأزهري ثم  عبد الله خليل أكثر من سنتين وبضعة شهور إذ قام الجنرال عبود بأول إنقلاب عسكري في تاريخ البلاد مدفوعا بضعف التيارات المدنية و تناحرهم فيما بينهم تحت الحكم الديمقراطي التعددي.  حفل عهد الجنرال عبود 1958-1964  بالكثير من انتهاكات حقوق الإنسان مثل  حل الأحزاب و النقابات و ممارسة الرقابة  على الصحف وإلغاء بعضها. كما اندلعت الحرب في الجنوب تحت الحكم العسكري  بالإضافة إلى التدهور الاقتصادي.
 
ما بين 1964 إلى 1969 تعاقب ثلاثة رؤساء للوزراء على حكم السودان حكما تعدديا ديمقراطيا. و كان من بين الرؤساء الصادق المهدي زعيم حزب الأمة احد أكبر الأحزاب في السودان و الذي يمثل طائفة المهدية المتصوفة. 
 
ثم جاء الانقلاب الثاني على يد  المشير جعفر النميري محمولا على اعناق البعثيين والشيوعيين  ، و بدأت مرحلة اخرى من انتهاكات الحقوق والحريات في السودان. و حين اعلن النميري في 1983 تطبيق الشريعة – تطبيقا صوريا - ازدادت  الانتهاكات حتى يقال ان  عدد من أقيم عليه حد السرقة بعد تطبيق الشريعة زاد عن كل من اقيم  عليهم هذا الحد خلال التاريخ الإسلامي كله. ومن ثم حصل انقلاب على الانقلاب  في أبريل 1985 بزعامة المشير  عبدالرحمن سوار الذهب و الذي تعهد و أوفي -في سابقة من نوعها في العالم العربي- بحكومة انتقالية  تجري بعدها انتخابات حرة . 
 
وتنحى سوار الذهب طواعية عن الحكم ليفوز صادق المهدي بحكم السودان مرة أخرى. غير أن الحكم  المدني لم يدم طويلا إذ عاد موسم الانقلابات في يونيو 1989 هذه المرة بتحالف بين الفريق عمر حسن البشير الذي يمثل الجيش و حسن الترابي ممثلا للإسلاميين و تحديدا حزب الجبهة القومية الإسلامية بزعامة الترابي نفسه.
 
  مكث البشير في الحكم حوالي 30 سنة . و على الرغم من نمو الإقتصاد السوداني في أول ثلاث سنوات من تولي البشير الحكم الا ان الارقام خادعة لأن جهود التنمية بدأت من الصفر فكان من الطبيعي أن تسجل السودان نسبا مرتفعة من التنمية لا تعكس الواقع بدقة. 
 
و سرعان ما بدأت الحقوق و الحريات  بالتدهور ووصلت قمة التدهور الاقتصادي و السياسي في الحرب على غرب البلاد في دارفور بالاضافة الى معاركه في الشرق و الجنوب . و الذي فاقم الوضع و زاده تأزما مغامرات الترابي الذي اجتذب كل القوى الاسلامية في انحاء العالم بدءا من الأخوان المسلمين و حتى ايران فيما يعرف بالمؤتمر الشعبي الإسلامي . و في عام 1999 أدرك البشير أن الترابي قد أصبح ورقة خاسرة نتيجة الإجماع الدولي على الإسلاموفوبيا بعد أن حل الخطر الإسلامي محل الشيوعية. فتم وضعه تحت الإقامة الجبرية ثم اعتقاله.
 
و في أواخر حكمه أصبح البشير  مطلوبا في المحكمة  الجنائية الدولية لجرائمه في دارفور التي قامت بها قوات الجنجاويد و لجرائمه في الجنوب الذي استقل عن الشمال عام 2011. و في ديسمبر 2019 دقت ساعة الصفر بالنسبة للبشير حين خرجت الجماهير السودانية تطالب بإقالته. وقام الفريق الأول عبد الفتاح البرهان  بانقلاب مرة أخرى  في الحياة السياسية السودانية. 
 
و اتفقت التيارات السياسية والاجتماعية على تكوين مجلس سيادي انتقالي وحكومة انتقالية برئاسة شخصية مدنية و إجراء انتخابات  حرة عام 2023. وعين عبد الله حمدوك رئيسا للوزراء. و تم تشكيل المجلس السيادي بحيث يكون مكونا من خمسة عسكريين و سبعة مدنيين. و ضم المجلس  شخص مثير للجدل في الحياة السياسية السودانية الا وهو محمد حمدان اوقلو (حميدتي) الذي أصبح نائبا لعبد الفتاح البرهان و هو نفسه الذي قاد الجنجاوبد بأمر من البشير في مذابح دارفور.  وفي هذه المرة جاء الجيش محمولا على  أعناق القوى اليسارية . و قبع البشير في السجن.
 
و يبدو ان الشيوعيين وجدوا أن لهم اليد العليا بعد انقلاب ديسمبر 2019 فشرعوا بتغيير المجتمع السوداني -المتدين بطبعه مع ميل للتصوف- ثقافيا و سياسيا و اجتماعيا بل و حتى إقتصاديا. وطال التغيير المناهج الدراسية و المحتوى الإعلامي. و تم إنشاء لجنة التمكين و التي سعت الى تطهير الجيش و الحياة السياسية من فلول نظام البشير. و ساندت قطاعات كبيرة من الشعب السوداني إنقلاب 2019. و لكن يبدو أن الجيش لم يقتنع  او لم يكتفي بالمعطيات التي جائت في الوثيقة الدستورية الموقعة بين الجيش والقوى المدنية بعد  إنقلاب 2019 فقام الفريق الاول عبد الفتاح البرهان  قائد القوات المسلحة ووزير الدفاع بانقلاب على الانقلاب في 25 أكتوبر 2021 . 
 
 و تم تحديد إقامة عبدالله حمدوك الذي أطلق سراحه فيما بعد وأعيد إلى رئاسة الوزراء . و تم اعتقال الكثير من اعضاء الحكومة الى جانب كثير من النشطاء  و هو ما تعيش تحت ظله السودان الأن. هذه المرة لم يساند الشعب السوداني الجيش بل خرج في مليونيات إحتجاجا على انقلاب 25 أكتوبر مما أدى الى مقتل واصابة  العشرات حتى لحظة كتابة هذه السطور.
 
في كل مرة جاء بها الجيش الى الحكم في السودان  كان في حاضنة تيار من التيارات السياسية خاصة الإخوان او الشيوعيين . و هذا مما يفسر اعتبار الجيش السوداني جيشا عقائديا. و في كل مرة كان الجيش يتدخل لفض النزاع بين القوى المدنية بعضها البعض. و أيضا هناك صراعات بين القوى التقليدية  الصوفية التي لها امتداد واسع في الشارع السوداني مثل حزب الامة ممثل جماعة المهدية و حزب الاتحادي الديمقراطي ممثل جماعة الختمية. 
 
ولا يمكن إغفال التعدد العرقي و الإثني والثقافي و القبلي  كعامل من عوامل تأجج الصراع في السودان.فلم يتمكن أي مجلس انتقالي أو دائم من تمثيل كافة أطياف الشعب السوداني .و الوضع الملتهب في قبائل البجايا  شرق السودان و في دارفور و في انفصال الجنوب و تعالي القبائل العربية على الزنجية شاهد على ذلك. والشارع السوداني رغم هذا التعدد يتجمع في وحدة عضوية تلقائية في وقت الازمات. و هذه ظاهرة سياسية تستحق الدراسة. و قد قام الشعب بالخروج لتأييد العسكر كلما شعر بضرورة الخلاص من الخلافات السياسية بين الأحزاب المدنية. و كذلك عاد الحكم المدني بفضل الله ثم الشعب عام 1964 بعد الاطاحة بالحكم العسكري للجنرال عبود حين  اكتشف الشعب ان عبود عائقا أمام الديمقراطية . الخلاصة أن الشعب السوداني رغم التعددية هو شعب على درجة عالية جدا من الوعي و الثورية خاصة إذا ما قورن بشعوب عربية عديدة. 
 
باحتمالات مختلفة هناك عدة سيناريوهات لتطور الأحداث في السودان و انا اختار هنا أبرز ثلاثة سيناريوهات في رأيي المتواضع. السيناريو الأول يقضي باتفاق حمدوك و البرهان على الوضع الحالي و الوثيقة الدستورية بتعديلاتها مع الاتفاق على الطبيعة الانتقالية للحكومة والمجلس السيادي حتى يتم إجراء انتخابات حرة في 2023. وهذا السيناريو ضعيف لسببين : اولا الشارع السوداني ما زال يواصل مليونياته على الرغم من عودة حمدوك لرئاسة الوزراء و ذلك يعكس  عدم ثقة الشارع في كل من الحكومة و المجلس السيادي؛ و السبب الثاني هو أن البرهان ليس مثل سوار الذهب.
 
السيناريو الثاني هو أن يتراجع النظام أمام المليونيات و يتم ترشيح حكومة مدنية من خلال انتخابات نزيهة قبل 2023. و هو ما أسميه الحكم المدني الرابع في تاريخ السودان. السيناريو الثالث هو أن يحدث انقلاب على الانقلاب يكرر سيناريو عمر البشير مع شخصية إسلامية من الاخوان المسلمين او من خارجهم ربما من الصوفية المنتشرة في أنحاء السودان. 
 
تقول اسطورة سيزيف اليونانية أن كبير الآلهة زيوس عاقب سيزيف لانه هرب من إله الموت الذي أراد أن يقبض روحه، فقضى زيوس على سيزيف أن يدحرج  صخرة من أسفل الجبل الى اعلاه ثم يعود لنفس الفعل مع نفس  الصخرة الى الابد. مع فارق الابدية يبدو أن نفس التكرار يحدث مع تدخل الجيش في الحياة المدنية في السودان.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 3